أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1973

الجدل الإسرائيلي بخصوص ضرب إيران

مايكل هيرتسوغ

متاح أيضاً في English

17 آب/أغسطس 2012


يتفق الإسرائيليون على أنه يجب وقف البرنامج النووي الإيراني وحان أوان حسم جدلهم بخصوص فعالية تكلفة الضربة والتعجيل بها وتأثيرها على العلاقات مع الولايات المتحدة.

مع درجة حرارة الصيف العالية وصلت حدة الجدل في إسرائيل إلى سخونة لم يعهدها الشعب الإسرائيلي حول ما إذا كان من الأفضل شن ضربة أحادية الجانب على البرنامج النووي الإيراني المتطور ومتى سيحدث ذلك. وبصفة عامة يبدو أن وزير الدفاع إيهود باراك يدعو إلى القيام بعمل إسرائيلي مبكر، ويظهر أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يميل إلى ذلك لكنه ما يزال متردداً، فيما يعارض الرئيس شمعون بيرس ومعظم [المسؤولين] الحاليين والسابقين في المؤسسة الدفاعية توجيه ضربة إسرائيلية مستقلة في المستقبل القريب، بينما ينقسم أو يتردد بقية أعضاء الحكومة والجماهير بشكل عام حول هذا الموضوع. وقد أعرب بيرس علناً في الأيام الأخيرة عن معارضته لشن هجوم على إيران مما زاد من حدة الجدل.

وفي أعقاب موجة من التقارير الصحفية التي استفزت الجزء الأكبر من المؤسسة الدفاعية ضد صناع القرار السياسي بشأن هذه القضية شن مسؤولون كبار حملة إعلامية مضادة في محاولة للدفاع عن الخيار العسكري الأحادي الجانب وإعداد الرأي العام لهجوم محتمل والتأثير على حسابات كل من واشنطن وطهران. أولاً، أكد نتنياهو علناً أن التهديدات الموجهة إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية "تتقزم أمام" خطر حصول إيران على سلاح نووي. ويتردد بأنه قال بصورة غير علنية "لو أن هناك لجنة تحقيق [بعد الهجوم] سأقول بإنني المسؤول."

ثانياً، تحدث كبار كتاب الأعمدة الإسرائيليين بالتفصيل عن حجج باراك في العديد من المقالات البارزة في نهاية الأسبوع الماضي. ففي نقاش موسع مع آري شافيت في صحيفة "هآرتس" تباحث "صانع سياسة" لم يذكر اسمه - من السهل التخمين بأنه إيهود باراك - عن أهداف الضربة الإسرائيلية الاستباقية والأساس المنطقي لها وعرض عدداً من المبررات لخطوة كهذه من بينها: التداعيات الكارثية لقيام إيران مسلحة نووياً وعدم قدرة إسرائيل على الانتظار لفترة أطول نظراً لخطر فقدان قدرتها على وقف إيران عسكرياً، وحاجة إسرائيل إلى الاعتماد على نفسها - فيما يخص الجوانب الأكثر حساسية لأمنها القومي - وليس على أفضل أصدقائها وهو الولايات المتحدة، وفكرة أن احتواء إيران المسلحة نووياً على طول الطريق سوف يُعقد الأمر ويجعله مكلفاً جداً أكثر مما لو تم اللجوء الآن إلى المنع.

وفي الوقت نفسه خرجت صحيفة بارزة أخرى وهي "معاريف" باستطلاع رأي موسع حول هذه القضية. وبما يتفق مع استطلاعات سابقة عكست النتائج رأياً عاماً إسرائيلياً منقسماً ومشوشاً بدرجة ما. ورغم أن الإجابات قد أكدت أن جزءاً كبيراً نسبياً (40 بالمائة) من الشعب يثق برئيس الوزراء ووزير الدفاع حول هذا القرار الخطير إلا أن أكثرية مماثلة لا تريد للقرار السياسي أن يهيمن على الرأي الاحترافي لمؤسسة الدفاع. ورغم أن ثمة أغلبية تعتبر إيران المسلحة نووياً تهديداً وجودياً لإسرائيل إلا أن 39 بالمائة من المساهمين في الاستطلاع فضلوا أن تتصرف إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فيما عبَّر 35 بالمائة فقط بأنه ينبغي على إسرائيل أن تعمل بصورة مستقلة قبل فوات الأوان. أما بقية المشاركين فكانوا مترددين.

ولوضع هذا الجدل في سياقه يمكن القول بأن معظم الإسرائيليين يؤمنون بأن إيران عازمة على اكتساب أسلحة نووية. وهم يعتبرون أيضاً أن إيران المسلحة نووياً تشكل تهديداً قاتلاً لمستقبل بلادهم، ويشككون بشكل كبير في أن العقوبات الدولية والدبلوماسية سوف تطيح بأهداف طهران. ولذا يتركز الجدل على التقليل من تكلفة ضربة إسرائيلية أحادية الجانب (من الناحية الاستراتيجية والعملية على حد سواء) وعلى توقيتها وتأثيرها المحتمل على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.

فعالية التكلفة

على افتراض أن ضربة إسرائيلية يمكن أن تؤجل البرنامج النووي الإيراني لبضع سنوات فإن السؤال المحوري الذي يجري الجدل حوله هو: ما هو الحراك الدولي والإقليمي والمحلي الذي سوف يتولد عن هذه الضربة على المدى القريب والبعيد. يعتقد بعض صناع السياسة أن العمل العسكري سوف يخلق بيئة تجبر طهران بقوة على وقف برنامجها على المدى الطويل بل وربما يعجل بتغيير النظام، بينما يعتقد آخرون أن الضربة سوف تدفع النظام إلى مزيد من التسلح النووي. وقد عبر المعلقون أيضاً عن مخاوفهم من المخاطر التي قد يتعرض لها الأمن القومي الإسرائيلي في حال قيام مصادمات مع إيران ووكلائها بعد توجيه الضربة على الجمهورية الإسلامية. [والسؤال هو] هل أن الصعيد الداخلي الإسرائيلي جاهز لصراع قد يُسفر عن وقوع عدة مئات من القتلى المدنيين وفقاً لتقديرات عسكرية إسرائيلية - على الرغم من أن هذا الصراع بعيد عن أن يكون سيناريو نهاية العالم؟ من ناحية التكاليف المالية حذر بعض الخبراء الإسرائيليون من التأثير السلبي للضربة على الاقتصاد. ومن جانبهما، استمر نتنياهو وباراك في التأكيد على مقارنة تكاليف المنع بتكاليف السماح لإيران بالحصول على أسلحة نووية.

التوقيت وطابع العجلة والإلحاح

رغم العقوبات المتزايدة، تستمر إيران في التقدم في برنامجها النووي بما في ذلك الجوانب المتعلقة بجيشها وبالتالي تستطيع تقصير الإطار الزمني لتحقيق الانعتاق وجعل الإجراءات الوقائية المحتملة أكثر صعوبة. وتحديداً فإن صناع السياسة الإسرائيليين يستشهدون في العادة بقيام النظام بكامل قوته بتخصيب اليورانيوم إلى 3.5 و 20 بالمائة (مما يعزز من قدرة إيران على تحقيق الانعتاق)، ذلك البرنامج المحصن والموزّع [في أنحاء مختلفة من البلاد] والذي أخذ يصبح أقل عرضة للهجوم، وباستمرار إيران في تطوير أنظمة التوصيل لديها، وكذلك - لو صحت التقارير الصحفية الإسرائيلية عن تقرير استخباراتي أمريكي - تركيز جهود التسلح على الرؤوس النووية. ويدّعي بعض المسؤولين أن اتساع "منطقة الحصانة" الإيرانية ربما يغلق نافذة العمل الأحادي من جانب إسرائيل بحلول نهاية هذا العام مما يجعل القرار مُلحاً. غير أن المعارضين يتساءلون عما إذا كانت النافذة ضيقة بالفعل لهذه الدرجة أم لا. وهم يحثون الحكومة على منح واشنطن والمجتمع الدولي المزيد من الوقت. كما يريدون أيضاً أن تتجنب إسرائيل الظهور بمظهر المتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية من خلال شن ضربة قبل تشرين الثاني/نوفمبر.

التأثير على العلاقات الثنائية

تشكل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية عنصراً محورياً في الجدل العام الإسرائيلي. وينطوي موقف صناع السياسة الإسرائيليين على التشكك العميق فيما يخص التزام واشنطن - لأسبابها الداخلية والاستراتيجية الخاصة - في النهاية بمنع إيران من التحول إلى دولة نووية. فقد خاب أملهم بشكل خاص من عدم وجود إطار زمني محدد للعقوبات والدبلوماسية وانعدام خارطة طريق واضحة حول العمل الذي ستقوم به الولايات المتحدة لو فشلت هذه التدابير. وفي الواقع، غالباً ما يستشهدون بالفشل في منع باكستان وكوريا الشمالية من تحقيق طموحاتهما النووية رغم الالتزام الأمريكي بمنعهما.

ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون أيضاً أن حوارهم الحميم مع المسؤولين الأمريكيين قد فشل في التأثير على الأمريكيين في تحديد الخطوط الحمراء التي يتم بموجبها القيام بعمل العسكري ضد إيران. فتأجيل العمل العسكري من منظور إسرائيل إلى أن تبدأ طهران في التحرك باتجاه الحصول على القنبلة هو أمر شديد الخطورة. فإيران كانت قادرة على الوصول إلى هذه العتبة منذ سنوات من خلال تطوير قدراتها، وتحصينها ضد أي هجوم خارجي، واختيار زمن الانعتاق عندما تكون الجهود لوقف ذلك متأخرة جداً أو باهظة للغاية حتى بالنسبة الولايات المتحدة. ولذا فإن إسرائيل تريد حرمان طهران من تحقيق أي انعتاق كهذا وتشكك في التطمينات الأمريكية بـ "أننا سوف نعرف" عندما تتحرك إيران لتسليح نفسها بأسلحة نووية.

وفي الوقت نفسه يدرك الإسرائيليون جيداً ويُثمنون الأهمية الخاصة لعلاقتهم مع الولايات المتحدة، ولحقيقة اعتمادهم على دعم واشنطن في اليوم الذي يلي هذا الهجوم الاستباقي مباشرة، لا سيما في قيادة حملة دولية بارزة لمنع إيران من إعادة تأسيس قدراتها النووية. ويظهر هذا الإدراك بالتفصيل وبشكل ثابت في كلام صناع السياسة كما ينعكس في استطلاعات الرأي التي تشير إلى تفضيل الشعب لعمل تنسيقي مع الولايات المتحدة. ويعتقد الإسرائيليون أيضاً أن الولايات المتحدة قد سعت للتأثير على نقاشهم من خلال زيارات كبار المسؤولين والتسريبات وجلسات الإحاطة لوسائل الإعلام الإسرائيلية والتصريحات والتلميحات العلنية. غير أن العدد الكبير من الزيارات الأخيرة والحوار الوثيق جداً بين الحكومتين كان غير كاف لإقناع صناع السياسة الإسرائيليين بالنوايا الأمريكية وفي المقابل غلق الفجوات بين الجانبين.

الخاتمة

يشهد الجدل الجماهيري الكثيف في إسرائيل، أولاً وقبل كل شيء، بحقيقة أن البلاد على وشك اتخاذ قرار بشأن إيران، وربما في الأسابيع المقبلة. وعلى الرغم من أن هذا النقاش يُعد إشادة بالديمقراطية الصحية إلا أن الجدل ربما يأتي أيضاً بتكلفة غير مقصودة وهي إقناع طهران أن بإمكانها أن تخرج من حساباتها دون خطورة احتمالية وقوع عمل عسكري سواء أكان إسرائيلياً أم أمريكياً. وفي الواقع أنه في حين أن الجدل قد يُعقد من جهود نتنياهو في كسب الموافقة المطلوبة لمثل هذا العمل داخل مجلس وزرائه المنقسم، إلا أنه مع ذلك قد يضمن الأصوات الضرورية لتوجيه ضربة على الرغم من الجدل حولها.

وأياً كان الأمر فإن الغموض بين إسرائيل وواشنطن بشأن هذه القضية الخطيرة هو أمر سيء للطرفين وهو بالتأكيد ضاراً لجهودهم الرامية لردع إيران. ورغم أن النافذة تأخذ شيئاً فشيئاً في الانغلاق إلا أن الوقت لم ينفد لجسر الفجوات. يجب على الطرفين أن يبذلا جهداً للقيام بذلك، ويقللان في الوقت نفسه من إظهار خلافاتهم على العلن. ولو شاءت واشنطن التأثير على صناعة القرار الإسرائيلي فيجب عليها الوصول إلى حليفتها عبر أرفع المستويات سواء سراً أم علناً وأن تقدم خارطة طريق أكثر وضوحاً تعالج بجدية مخاوف إسرائيل من خلال الأفعال وليس بالكلام فقط. لقد حان الوقت الآن للقيام بمثل هذا الحوار -  حيث لا يمكن الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.

 

العميد (المتقاعد) مايكل هيرتسوغ هو زميل ميلتون فاين الدولي في معهد واشنطن، ومقره في اسرائيل. وقد شغل سابقاً منصب رئيس هيئة موظفي مكتب وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك.