أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1644

إسرائيل بوصفها 'الوطن القومي للشعب اليهودي': نظرة إلى الماضي والمستقبل

تال بيكر و

متاح أيضاً في English

19 مارس 2010


"في 16 آذار/مارس 2010، خاطب تال بيكر وحسين إيبش منتدى السياسة على مأدبة غداء خاصة في معهد واشنطن لمناقشة تاريخ ومستقبل الهوية اليهودية لدولة إسرائيل في السياق الدبلوماسي والسياسي. السيد بيكر هو زميل دولي يعمل مع معهد واشنطن ومقره في إسرائيل. والسيد إيبِش هو زميل أقدم في "فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين". فيما يلي خلاصة المقرر لملاحظاتهما.

تال بيكر

هناك قدر كبير من المعلومات الخاطئة والمُضلِّلة التي تكتنف رغبة إسرائيل في الإعتراف بها كدولة يهودية. ويشير هذا المفهوم من الناحية العملية إلى الإعتراف بحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره على أرض إسرائيل، وهو ما يُعرف أيضاً بالصهيونية. وهذه الأرض لا تتضمن بالضرورة ما يسميه الكثيرون بـ "إسرائيل الكبرى"، التي تشمل الضفة الغربية، كما لا يتم إنكار حق تقرير المصير للفلسطينيين المجاورين، الذين يستحقون دولة خاصة بهم. وقد برز موضوع الإعتراف بإسرائيل كدولة يهودية بشكل كبير في العام الماضي نظراً لقيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتركيز على هذه النقطة.

يقول البعض إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد ابتدع هذه المسألة كذريعة لمنع المفاوضات من المضي قدماً. وعلى النقيض من ذلك تماماً، فإن المطالبة بالإعتراف بإسرائيل كدولة يهودية قديم قِدم الصهيونية ذاتها. ففي جميع المفاوضات التي ترمي إلى حل الصراع العربي الإسرائيلي، شملت مطالب إسرائيل -- بشكل أو بآخر -- حق تقرير مصيرها كدولة يهودية.

ويعكس إعلان بلفور الذي أصدرته بريطانيا في عام 1917 وعقود من الإنتداب البريطاني التي تلت ذلك، الإعتراف الدولي بالهدف الصهيوني المتمثل في إنشاء وطن قومي لليهود. كما أُدرجت هذه الفكرة في قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي أوصى في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1947 بإنشاء دولة يهودية ودولة عربية (وليس دولة فلسطينية). وأخيراً، أشار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات نفسه إلى موافقته على حق الشعب اليهودي في إقامة وطن – والذي ظهر بصورة أكثر وضوحاً في إعلان الجزائر عام 1988، الذي كان القرار 181 المبدأ المُنظِّم له لحل الصراع وتأسيس الإستقلال الفلسطيني. وبالإضافة إلى ذلك، وفي نطاق التحفظات التي أبدتها «منظمة التحرير الفلسطينية» بشأن المعايير التي وضعها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، لم تجادل «المنظمة» في حق الشعب اليهودي في إقامة وطنه.

يقول البعض إن اليهودية تمثل ديناً، وليس شعباً، لكن هذه الحجة تعد ضرباً من السخف. فبموجب القانون الدولي، ينطوي مفهوم "الشعوبية" على مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية. فعلى الجانب الموضوعي، يجب النظر إلى "الجماعة المنظَّمة" على أنها تتشارك في معايير تعريفية أو سمات مشتركة ومحددة تشمل اللغة والتاريخ والثقافة. وعلى الجانب الذاتي، يجب تصور هذه "الجماعة" على أنها تنظر إلى نفسها بوصفها شعباً. ولا يوجد شك في أن كلاً من اليهود والفلسطينيين يلبون هذا المعيار الأخير. ولذلك فإن كليهما له الحق في تقرير المصير. إن العمل الماهر المطلوب هو استيعاب الطرفين، وليس إنكار أحدهما أو الآخر.

إن الفكرة القائلة بأن مجموعة الأغلبية في دولة ديمقراطية تسعى إلى تكريس بعض السمات العامة التي تعكس طابعها هي ليست فكرة فريدة أو نادرة. فدساتير دول مثل الدنمارك وفنلندا وأرمينيا وبلغاريا وجورجيا وألمانيا وإيطاليا، تمنح جميعها بعض الأفضلية لإرادة الأغلبية. وبينما تجري حماية الحقوق الأساسية للأقليات، فإنه يتم في الوقت نفسه احترام ميل الأغلبية في تشكيل اللمحة العامة للبلاد. ولا يتناقض هذا المبدأ مع الديمقراطية. ومع ذلك، فإن التحديات بالنسبة لإسرائيل اتسمت دوماً بالحدة. فسعي الأمة للإعتراف بها كدولة يهودية يثير جدلاً منذ مدة طويلة، ويستغل «حزب الله» وإيران وآخرون هذا الموضوع بشكل متزايد في محاولتهم نزع الشرعية عن حق إسرائيل في الوجود.

وتقول الحجة بأن محاولات إسرائيل تسليط الضوء على طابعها اليهودي تهدف إلى القضاء على العرب أو تجريدهم من أية حقوق أو فصلهم عن القضية. والحقيقة هي أن إسرائيل دولة ديمقراطية ويجب أن تضمن المساواة المدنية لجميع مواطنيها. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن تقرير المصير على الأراضي الإقليمية لن يوْجَد داخل حدود إسرائيل وإنما في دولة فلسطينية تقوم إلى جانب إسرائيل. وفي النهاية، يجب أن تكون هناك دولتان – إسرائيل كوطن للشعب اليهودي وفلسطين كوطن للشعب الفلسطيني.

ووفقاً لما يراه البعض، فإن السعي إلى تسمية إسرائيل كدولة يهودية يمثل محاولة لاستباق [مصير] قضية اللاجئين الفلسطينيين، التي تعود إلى أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. وتقول الحجة إن مثل هذه التسمية من شأنها أن تقوض من مطالبة اللاجئين "بحقهم في العودة" إلى مجتمعاتهم الأصلية، حيث أن مثل هذه العودة ستهدد الطابع اليهودي لإسرائيل. ومع ذلك، فإن أي إجراء لتعريف إسرائيل كوطن قومي لليهود يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع الإعتراف بحقوق الأقليات وعملية السلام الشاملة. إن الرفض الكلي لمكانة إسرائيل كوطن قومي لليهود يضمن إدامة الصراع بصفة أساسية.

حسين إيبِش

يبدأ وعد بلفور الذي صدر في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 بعبارة "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ....."، ويبرز على الأقل أمران تفصيليان من هذه الصياغة: (1) أن الإعلان يلتزم بـ "وطن قومي للشعب اليهودي" وليس بـ "دولة يهودية" و(2) يدعم "وطناً قومياً" وليس "الوطن القومي". وهذا الإعلان يطرح مفهوم الوطن القومي لليهود في العلاقات الدولية على نحو أكثر حسماً.

إن الإنتداب على فلسطين الذي أقره «مجلس عصبة الأمم» في 24 تموز/يوليو 1922 قد جعل من المشروع الصهيوني حقيقة عملية وليس مجرد موقفاً بلاغياً، من خلال تبنيه الإعلان عن أن "القوى المتحالفة الرئيسية وافقت أيضاً على أن تكون [سلطة] الإنتداب مسؤولة عن إدخال [إعلان بلفور] حيز التنفيذ".

وفي بداية الثلاثينات من القرن الماضي، أشارت عدة مقترحات، كان أبرزها "تقرير لجنة پيل" من عام 1937، إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية. وبعد عقد من الزمن، دعا قرار الأمم المتحدة رقم 181 إلى تأسيس "دولتين مستقلتين عربية ويهودية و[وضع] نظام دولي خاص لمدينة القدس". ويُنظر عادة إلى قرار التقسيم هذا، جنباً إلى جنب مع الإعلان الأحادي عن "دولة يهودية في أرض إسرائيل" من قبل القيادة اليهودية، باعتباره شهادة ميلاد لدولة إسرائيل.

إن المفارقة الرئيسية هي أنه إذا كان قرار التقسيم من عام 1947 بمثابة شهادة الميلاد الدولية الرئيسية لدولة إسرائيل، لا بد أن يؤدي ذلك القرار إلى الشئ نفسه بالنسبة للدولة الفلسطينية التي لم يتم بعد إنشاؤها. وفي صيغته لـ "الأرض مقابل السلام"، يعمل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 من عام 1967 ومشتقاته القانونية العديدة بصورة منطقية على تمديد الاتجاه الأساسي الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين حقوق اليهود والعرب في فلسطين.

وباعتبار إسرائيل دولة عضو ذات سيادة في الأمم المتحدة، فإنها تُحدد طابعها الخاص. ومع ذلك لم يُطرح أبداً موضوع يهودية إسرائيل ولم ينعكس في اتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع مصر أو الأردن. إن مطالبة الفلسطينيين بالدخول الآن في مثل هذا النقاش يبدو غريباً ولا مبرر له.

لقد اعترف الفلسطينيون فعلاً بإسرائيل كدولة يهودية. وجاء ذلك أكثر وضوحاً في رسالة رئيس «منظمة التحرير الفلسطينية» ياسر عرفات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في 9 أيلول/سبتمبر 1993 والتي ذكر فيها بشكل لا لبس فيه أن "«منظمة التحرير الفلسطينية» تعترف بحق دولة إسرائيل في الوجود بسلام وأمن". ومع ذلك، فهناك اليوم ما يبرر قلق الفلسطينيين من أنه في حالة اعترافهم بإسرائيل بصورة واضحة باعتبارها "الدولة القومية للشعب اليهودي" (إذا استخدمنا كلمات رئيس الوزراء نتنياهو)، فقد يُنظر إليهم بأنهم يؤيدون اتخاذ إجراءات تنطوي على التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وبعد أن تم التأكيد بأنه من الواضح بأن إسرائيل هي دولة يهودية، فمن جانب آخر يجب على المرء أن يجزم بأنه من الواضح بأن إسرائيل هي حالياً ليست دولة يهودية. ويعتمد التفسير كلية على أي نسخة من إسرائيل يتحدث عنها المرء. وبعبارة أخرى، هل نتحدث عن إسرائيل وفق حدودها بعد 1948 أو بعد 1967؟ إذا التزمنا بحدود إسرائيل المعترف بها دولياً، فإن الدولة هي يهودية فعلاً.

وختاماً، فإن ما قد نُطلِق عليه [دولة] إسرائيل "بحكم القانون"، الذي يستثني الأراضي المحتلة ويفترض إقامة دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، يمكن [لهذه التسمية] أن تَعتبر [إسرائيل] بأنها بالتأكيد دولة يهودية وديمقراطية في آن واحد، رغم أنها لا تزال تكافح من أجل منح المساواة لأقلية غير يهودية كبيرة. ومن ناحية أخرى، إن إسرائيل بحكم الأمر الواقع، [هي دولة] تشمل الأراضي المحتلة. وعلى افتراض أنه لا يتم إنشاء دولة فلسطينية في المستقبل القريب، لا يمكننا اعتبار هذه الدولة -- بأي معنى ذو مغزى -- بأنها إما يهودية أو ديمقراطية.