أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

«داعش» لا تكاد تملك أي دعم شعبي في مصر أو السعودية أو لبنان

ديفيد بولوك

متاح أيضاً في English

منتدى فكرة

14 تشرين الأول/أكتوبر 2014


ما مقدار الدعم الشعبي الذي يتمتع به تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية» في البلدان الرئيسية المشاركة في "التحالف" الدولي الحالي ضد التنظيم، كمصر أو المملكة العربية السعودية أو لبنان؟ لم يكن بوسع المرء، حتى اليوم، سوى التكهّن بالإجابة على هذا السؤال الذي أضحى أكثر إلحاحاً بفعل التقارير الإخبارية التي انتشرت مؤخراً بشأن عمليات اعتقال طالت أتباع «داعش» في هذه البلدان الثلاثة

ومع ذلك، هناك ثلاثة استطلاعات للرأي جديدة - هي الأولى من نوعها - توفّر بيانات ملموسة يمكن الإستعانة بها للتوصل إلى إجابة واضحة. فقد أجرت شركة رائدة في مجال المسح التجاري في الشرق الأوسط هذه الاستطلاعات في أيلول/سبتمبر، بإجرائها مقابلات وجهاً لوجه مع مهنيين محليين من ذوي الخبرة. وكانت العيّنة عشوائية على صعيد البلاد في كل دولة، دون أرجحية لمنطقة جغرافية على أخرى، وضمّت ألف شخص في كل بلد (من المواطنين فقط، واستثني منها اللاجئون أو المغتربون) مما يعني هامش خطأ إحصائي يبلغ حوالي 3 في المائة.

 

تحميل الرسوم البيانية لنتائج استطلاع الرأي على ملف ("پي. دي. إف.")

إن أكثر النتائج إثارةً للاهتمام والتشجيع هي أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» لا يملك تقريباً أي دعم شعبي في مصر أو السعودية أو لبنان - حتى في أوساط السنة في هذه الأخيرة. فبين المصريين، عبّر 3 في المائة فقط عن رأي إيجابي تجاه «داعش». وفي السعودية، كانت النسبة أعلى بقليل حيث يحتفظ 5 في المائة بنظرة إيجابية لـ تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي لبنان، لم تكن لأيّ من المستطلعين المسيحيين أو الشيعة أو الدروز نظرة إيجابية عن «داعش»؛ وحتى في أوساط السنة في لبنان، كانت النسبة مشابهة تقريباً وبلغت 1 في المائة. 

ومع ذلك، هناك فارق حقيقي بين كوْن الدعم "شبه منعدم" أو "منعدم تماماً". فنسبة الـ 3 في المائة من المستجيبين على الاستطلاع من المصريين البالغين الذين أعربوا عن دعمهم لـ  تنظيم «الدولة الإسلامية» تعني أنّ هذه الجماعة تحظى بتأييد من قبل 1.5 مليون مواطن مصري. وفي السعودية فإن نسبة 5 في المائة من السعوديين البالغين الذين يدعمون «داعش» تعني أكثر من نصف مليون مواطن. وحتى في لبنان، البلد الصغير، فإن نسبة الـ 1 في المائة من البالغين الذي ينتمون للطائفة السنية تساوي بضعة آلاف من المتعاطفين مع تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي أي من هذه الدول، تكفي هذه النسبة لإيواء على الأقل بضع خلايا من مثيري الشغب الخطرين.

وهناك تحذير رئيسي آخر وهو أن المعارضة شبه الموحدة لـ «داعش» لا تمتدّ لتشمل منظمات إسلامية سياسية أخرى. ففي مصر على سبيل المثال، أعربت نسبة عالية ومفاجئة - تمثل ثلث مجموع السكان - عن موقفها الإيجابي تجاه «حماس». وترتفع هذه النسبة في المملكة العربية السعودية لتصل إلى 52 في المائة والأكثر مفاجأةً هو أنه على الرغم من حملات القمع والدعاية المستمرة من قبل الحكومتين المصرية والسعودية ضدّ «الإخوان المسلمين»، لا تزال هناك نسبة 35 في المائة في مصر و31 في المائة في السعودية تنظر إلى «الإخوان» بعين الرضا. وعلى سبيل المقارنة، نجد أنّ المنظمة الإسلامية الشيعية «حزب الله» تحصد 12 - 13 في المائة فقط من دعم غالبية السنة في مصر أو السعودية

وفيما يتعلق بهذه القضايا وغيرها، هناك اختلاف ضئيل بين المصريين من الفئات السكانية المختلفة. على سبيل المثال، يتمتع «الإخوان المسلمون» بدعم 37 في المائة من سكان التجمعات الحضرية مثل القاهرة أو الإسكندرية؛ و35 في المائة من دعم سكان صعيد مصر؛ و33 في المائة من دعم سكان ريف الدلتا. أمّا عينة الاستفتاء الفرعية التي تضمّ المسيحيين الأقباط في مصر، فهي دون الـ 10 في المائة من المجموع، وبالتالي ضئيلة جداً لأن تكون ذات دلالة إحصائية في الاستطلاع. 

وفي لبنان، على النقيض من ذلك، فعلى الرغم من أنّ جميع الطوائف تقريباً تتوحد في رفضها لـ «داعش»، إلّا أن آراءها بشأن الجماعات الإسلامية الأخرى تختلف إلى حدّ كبير بفعل الاستقطاب الطائفي - ولكن ليس دائماً بالاتجاه الذي قد يتوقعه المرء. فـ «حزب الله»، كما هو متوقع، يحظى بدعم 92 في المائة من الشيعة، ولكنّ شعبيته تنخفض كثيراً بين المسيحيين، حيث تحوم حول 40 في المائة تقريباً، بينما هناك 8 في المائة فقط من أبناء الطائفة السنية الذين لديهم نظرة إيجابية تجاه «حزب الله». ومع ذلك، فإن الأمر الغير متوقع هو مستوى الدعم المنخفض نسبياً التي تحظى به «حماس» بين المسلمين السنة في لبنان، وخاصة بعد مضيّ فترة قصيرة جداً على الحرب الأخيرة في غزة. فلا ينظر إلى هذه الحركة الإسلامية الفلسطينية بشكلٍ "إيجابي إلى حدّ ما"، سوى ربع الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع

وهناك نقطة ثالثة مهمة أيضاً وهي أنّ المعارضة المشتركة لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، لا تعني أنّ نسبة الدعم للولايات المتحدة عالية. ففي مصر والسعودية على حد سواء، تحظى الولايات المتحدة بتأييد منخفض لا يزيد عن 12 في المائة من المستجيبين للاستطلاع. وفي لبنان تتضاعف هذه النسبة إلى 25 في المائة، ولكن هنا أيضاً تنعكس النتائج على طول انحدار طائفي مستقطب بصورة حادة: إذ تنخفض النسبة من 39 في المائة بين المسيحيين إلى 30 في المائة بين السنة والدروز، وصولاً إلى نسبة تأييد تافهة تبلغ 3 في المائة بين الشيعة الذين يشكلون أكثرية السكان. ولوضع هذه الأرقام في منظورها الصحيح، تحظى الصين بنظرة إيجابية قدرها 38 في المائة بين السعوديين و40 في المائة بين المصريين و54 في المائة بين اللبنانيين

أما النقطة الرئيسية والأخيرة هنا فتتعلّق بالمواقف الشعبية تجاه عدوّيْن مشتركيْن آخريْن لـ «داعش»، هما سوريا وإيران. ففي كل من مصر والسعودية، إن نسبة من ينظرون بشكلٍ إيجابي إلى الحكومة الإيرانية أو السورية لا تكاد تتخطى خانة العشرات، حيث هي عالقة بين 13 و14 في المائة في كلا البلدين.

وفي لبنان، نجد مرة أخرى أنّ الاستقطاب الطائفي هو سيّد الموقف، وإلى درجة مذهلة في هذه الحالة. فبين شيعة البلاد تحظى الحكومتان الإيرانية والسورية بنسبة تأييد تتراوح بين 96 و97 في المائة. وفي المقابل، تنخفض نسبة التأييد لإيران وسوريا بين السنة في لبنان إلى 12 و 14 في المائة على التوالي . ولكن مع ذلك، فإن الأمر المثير للاهتمام هو أنّ المسيحيين يقفون في الوسط ﻓﻲ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻨﻘﻁﺔ ﻤﻥ ﺍﻻﺴﺘﺒﻴﺎﻥ، إذ أعرب أكثر من ثلثهم (37 في المائة) عن تصنيفهم "الإيجابي إلى حدّ ما" على أقل تقدير لإيران، بينما ما يقرب من نصفهم (47 في المائة) يمنح هذا التصنيف للحكومة السورية، إذ يُنظر إلى نظام بشار الأسد في بعض الأحيان على أنه يوفّر لهم الحماية من «داعش» والمتطرفين الإسلاميين الآخرين

والسؤال الذي يطرح نفسه هو، ما الذي تعنيه جميع هذه الأرقام بالنسبة للحملة الأمريكية الحالية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»؟ قد يكون الرأي العام متقلباً، لكن في الوقت الراهن توضح النتائج التي توصل إليها هذا التحليل عدّة أمور مهمة للسياسة الأمريكية. أولاً، على الولايات المتحدة وحلفائها أن لا يخشون من إمكانية نجاح «داعش» في استقطاب عدد كبير من المناصرين في المجتمعات العربية المجاورة لبلديْ منشأ التنظيم، أو من قيام ردّ فعل شعبي قوي ضدّ الغارات الجوية الأمريكية، أو ضدّ حلفاء الولايات المتحدة العرب الآخرين في هذه المعركة. ثانياً، حريّ بالولايات المتحدة أن تستهدف بعملياتها تنظيم «الدولة الإسلامية» وبدقّة، وليس أيّ جماعة إسلامية أخرى كانت موضع انتقادات أمريكية مؤخراً، إذ أنّ ذلك قد يزيد من الشعبية الكبيرة لهذه الجماعات. ثالثاً، إن أي انفتاح أمريكي على الرئيس السوري بشار الأسد أو إيران، كشريكيْن محتمليْن لمواجهة «داعش»، يعد مخاطرة كبيرة، إذ أنه قد يبعد الشعبين المصري والسعودي أكثر فأكثر عن الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يغذّي أتون نيران الاستقطاب الطائفي الخطير بين اللبنانيين. 

 

ديفيد بولوك هو زميل كوفمان في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة.