أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

هل تستغل إيران إدارة أوباما للماطلة في مفاوضاتها النووية؟

مايكل سينغ

متاح أيضاً في English

فورين بوليسي

4 آذار/مارس 2013


حث العديد من المحللين في الولايات المتحدة على اتباع ما أصبح يُعرف باسم نهج "المزيد من أجل المزيد"، وذلك خلال الأشهر التي سبقت آخر جولة مفاوضات لـ مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» في ألماتي. وهو ما يمنح إيران المزيد من التخفيف للعقوبات في مقابل تقديم طهران للمزيد من التنازلات فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

إلا أنه بات واضحاً أن واشنطن تبنت بدلاً من ذلك إستراتيجية "المزيد من أجل القليل". حيث تم فعلياً عرض المزيد من إجراءات تخفيف العقوبات ضد إيران (حيث تورد بعض التقارير أن الشروط التي فرضتها الولايات المتحدة لم تكن متاحة لمواجهة فحص دقيق من قبل الرأي العام) ولكن في مقابل تنازلات أقل من قبل الجانب الإيراني لا ترقى إلى حجم التنازلات التي قدمها الجانب الأمريكي. وبوجه خاص، تنازلت «دول الخمسة زائد واحد» عن مطلبها السابق المتعلق بإغلاق إيران منشأتها الثانية لتخصيب اليورانيوم في فوردو.

وحتى رغم استبعاد حقيقة أن «دول الخمسة زائد واحد» تبدو وكأنها تفاوض نفسها -- حيث لم ترد إيران على العرض الأخير الذي قدمته مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» فضلاً عن أنها لم تقدم على الإطلاق أي رد رسمي على العرض الجديد -- فإن نهج المجموعة في التفاوض ينطوي على بعض العيوب. ولفهم الأسباب التي أدت إلى ذلك، يتعين على المرء النظر إلى الديناميات الأساسية للمفاوضات (لقراءة نسخة أطول من هذا التحليل، راجع مقالة باللغة الانكليزية شارك فيها كاتب هذه السطور مع البروفيسور جيم سيبينيوز في العدد الأخير من "انترناشيونال سكيوريتي").

يتوقف النجاح في أي مفاوضات على وجود "جوانب اتفاق محتملة" -- وبمعنى آخر، مجموعة من النتائج المحتملة التي يرى كلا الجانبين أنها أفضل من عدم التوصل إلى لا شيء. ونوضح أدناه مثالاً توضيحياً بسيطاً، إذا كان الحد الأدنى الذي سيقبله بائع نظير منزله هو 200.000 دولار وكان عرض المشتري المحتمل يبلغ 250.000 دولار على الأكثر، فإن "جانب الاتفاق المحتمل" في هذه الحالة يكون بين هذين الرقمين، أي 200.000 دولار إلى 250.000 دولار. ولا يعد وجود "جانب اتفاق محتمل" ضمانة لإبرام الاتفاق -- إذ لا تزال هناك الكثير من العقبات التي تحول دون التوصل إلى اتفاق -- ولكن هذا يعني بالأحرى أن إبرام اتفاق أمر ممكن على الأقل. وفي حالة عدم وجود "جانب اتفاق محتمل"، فإنه سيتعذر حتى على أمهر المفاوضين إبرام اتفاق.

أما بالنسبة لمفاوضات «دول الخمسة زائد واحد»، فقد سعى المحللون في كثير من الأحيان إلى إرجاع أسباب الجمود الطويل في المفاوضات بين الأطراف إلى عدم الثقة أو ضعف التواصل أو غيرها من المسائل التكتيكية. ولكن السبب الحقيقي وراء فشل المحادثات في التوصل إلى نتيجة يرجع على الأرجح إلى عدم وجود "جانب اتفاق محتمل" -- فأقل ما كان يمكن لإيران أن تقبله هو برنامج نووي أكثر توسعاً إلى حد أكبر مما قد تسمح به الولايات المتحدة وحلفاؤها، مما جعل المناقشات بلا جدوى.

وفي ظل عدم وجود أي "جوانب اتفاق محتملة"، فهناك ثلاث طُرق لإيجاد أحدها. الأول، عن طريق ممارسة ضغط من شأنه فرض تكاليف إضافية على الطرف المستهدف على نحو يرتبط بالفشل في التوصل إلى اتفاق. وبالعودة إلى مثال شراء المنزل الوارد أعلاه، إذا كان البائع يعتزم الانتقال من المنزل وهو متعاقد على منزل آخر فعلياً ويبغي الحصول على عائدات مقابل بيع منزله الحالي لإتمام الصفقة الأخرى، فإن تكاليف الفشل في إبرام الصفقة الحالية ستكون مرتفعة. وهذا ينبغي أن يدفعه إلى إعادة النظر في حده الأدنى للسعر، وربما يقبل عرضاً أقل سخاءً من العرض الذي تلقاه من قبل. وعلى الرغم من أن المخاطر في المفاوضات النووية مرتفعة بشكل كبير -- إلا أن المبادئ التي تقوم عليها العقوبات وغيرها من أشكال الضغط لا تزال متطابقة -- فهي ترفع تكاليف فشل إبرام اتفاق وتحفز الطرف المستهدف على إعادة النظر في موقفه التفاوضي.

وأما الطريقة الثانية التي يمكن بها إيجاد "جوانب اتفاق محتملة" فهي تقديم مُحفزات أو إغراءات لإبرام الاتفاق. فمثلما قد يفعل بائع المنزل من عرض تقديم مساعدات مالية أو سيارة جديدة أو إجازة لتشجيع البائع المحتمل، قدمت مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» مجموعة من المُحفزات إلى إيران لتشجيع التوصل إلى تسوية، بداية من تقديم المساعدة لها في مجال الطاقة النووية السلمية إلى التعاون العلمي والتكنولوجي. فمن حيث المبدأ ترفع تلك المحفزات من قيمة الاتفاق مما يسهم وبقوة في إيجاد "جوانب اتفاق محتملة" أكبر من ذلك بكثير.

وليس ثمة شك في أنه على الرغم من أن مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» قد جربت كلتا الطريقتين في سعيها لإيجاد "جوانب اتفاق محتملة"، إلا أنها فضلت في الآونة الأخيرة التركيز على فرض المزيد من الضغوط أكثر من تركيزها على تقديم المحفزات. ومع ذلك، تعثرت كافة المحاولات علي مدار سنوات عديدة -- ربما لأن النظام الإيراني يقدر أهمية بناء قدرات نووية محتملة وما سيضفيه ذلك من مكانة وأمن -- أكثر بكثير من تقديره حتى لصادرات النفط والفرص الاقتصادية التي يُضحي بها في سبيل الاستمرار في هذا المسعى، ومن المؤكد أيضاً أن تقديرها لتلك القدرات النووية يتجاوز المحفزات الغربية التي وصفها المسؤولون الإيرانيون في وقت سابق بأنها زهيدة.

ومع ذلك، فهناك طريقة ثالثة لإيجاد "جانب اتفاق محتمل" في المفاوضات -- وهي تغيير الحد الأدنى لما يريده الطرف المتفاوِض. وستكون الإغراءات المشجعة على ذلك واضحة لكل من شارك في أي مفاوضات، حيث يمكن خلالها أن تتجاوز القوة الدافعة لإبرام اتفاق، الحسابات السابقة لمصالح كل طرف. ويبدو أن هذا هو المنهج الذي اتبعته «دول الخمسة زائد واحد» في جولة المفاوضات التي أجريت في ألماتي -- فتعاطياً مع التعنت الإيراني، قررت المجموعة قبول ما أعلنت رفضه في السابق، فيما يخص تحديداً منشأة تخصيب فوردو. فوجود هذه المنشأة ظل سرياً حتى تم الكشف عنها من قبل الرئيس أوباما، والرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني السابق براون في مؤتمر صحفي عقدوه في 2009- - على نحو أثار ضجة في الأوساط العالمية. وفي مؤتمرهم الصحفي وصفوا منشأة فوردو بأنها "تحدٍ مباشر للاتفاق الأساسي الخاص بقواعد عدم انتشار الأسلحة النووية".

وأحياناً يغير طرف التفاوض الحد الأدنى لما يريده بسبب الضغوط أو المحفزات التي يقدمها الطرف الآخر. ويتم ذلك في بعض الأحيان بشكل أحادي في سبيل إبرام اتفاق أو نتيجة لإعادة النظر في ما إذا كان لأحد الطرفين القدرة على تحمل تبعات فشل التوصل إلى اتفاق، وهو ما قد يكون عليه حال مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» في الوقت الحالي.

ومع ذلك هناك بعض الأسباب المقبولة لتجنب التغييرات الأحادية على الحد الأدنى لطرف من الأطراف. فأولاً وقبل كل شيء، كانت هناك أسباب سائغة على ما يبدو لإبراز ذلك الحد الأدنى في المقام الأول. ومما لا شك فيه أن هذا صحيح فيما يتعلق بالإصرار السابق من «دول الخمسة زائد واحد» على تدمير منشأة فوردو. فهذه المنشأة توضح -- أكثر من أي شيء آخر في البرنامج النووي الإيراني -- سعي إيران المباشر والواضح نحو امتلاك قدرات أسلحة نووية نظراً لأنها تقع على عمق كبير تحت سطح الأرض ومحصنة ضد أي هجوم جوي. ويعني السماح لإيران بالإبقاء على شلالات أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو -- حتى ولو كان بموجب قرار من "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" -- أن المسؤولين الإيرانيين يحتفظون بخيار تصنيع سلاح نووي.

ثانياً، تدور المفاوضات حول التصورات كما أن التحولات المستمرة والمتزايدة في الحد الأدنى لكل طرف يمكن أن توصل رسالة إلى الطرف الآخر عبر طاولة المفاوضات أنه لم يتم الوصول بعد إلى الحد الأدنى "الحقيقي" للطرف الآخر. بمعنى آخر، قد يكون لإيران عذر في التفكير على هذا النحو إذا استطاعت الصمود لمدة أطول أمام الضغوط الدولية، وعند هذا الحد يمكن التخفيف من مطالب تعليق التخصيب في منشأة فوردو أو إبقاء التخصيب عند مستوى 20 في المائة، وكذلك مطالب إغلاق منشأة فوردو وتعليق التخصيب فيها بالكلية مع إيقاف تشغيل أجهزة الطرد المركزي.

وقد تُخطئ إيران في تصورها لحجم "جوانب الاتفاق المحتملة" ونطاقها، وقد تكون راغبة في الانتظار لمدة أطول لتأمين تحقيقها أفضل نتيجة ممكنة، حيث استغرق الأمر منها ثماني سنوات لانتزاع تنازلات من واشنطن تتعلق بمنشأة فوردو. ويعني هذا في الواقع التراجع عن أي تقدم تم تحقيقه، عن طريق العقوبات والمحفزات، في فتح جوانب اتفاق محتملة من خلال (الأمل) بنقل انطباع خاطئ عن مرونة مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» والحد الأدنى الخاص بها.

ومما ينذر بالسوء بالنسبة لـ مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» هو أنه من الممكن عدم فتح أي "جانب اتفاق محتمل" في المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني نظراً لعدم اقتناع النظام الإيراني بفكرة التسوية مع الولايات المتحدة أو العداوة أو "المقاومة" تجاهها وهو المبدأ الرئيسي الذي تقوم عليه أيديولوجية مؤسسي النظام. وفي حالة الوصول لهذه المرحلة، سوف تستفيد طهران ببساطة من التنازلات المقدمة من «دول الخمسة زائد واحد» وسوف يتم منح الشرعية لمنشأة فوردو تماماً كما حدث في "اتفاق مفاعل طهران البحثي" في تشرين الأول/أكتوبر 2009 الذي منح الشرعية لأنشطة إيران الخاصة بتخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة. وهي المرحلة التي قد يجد فيها حلفاء الولايات المتحدة وواشنطن أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه بتبنيهم خيار الهجوم العسكري على منشآت أعلنوا الآن أنها لم تعد خارج نطاق القانون الدولي، ولكنها مقبولة في ظل الظروف المناسبة.

 

مايكل سينغ هو المدير الإداري لمعهد واشنطن.