المرصد السياسي 1970
نزاع يلوح في الأفق بين الولايات المتحدة والعراق بشأن قرار الإفراج عن أحد قادة «حزب الله»
متاح أيضاً في English
7 آب/أغسطس 2012
القرار الذي أصدرته محكمة عراقية بالإفراج عن أحد كبار قادة «حزب الله» المتهمين [بالقيام بأعمال إرهابية] قد يؤدي إلى شن المزيد من الهجمات الإرهابية على الأمريكيين.
في الأسبوع الماضي، رفضت "المحكمة الجنائية المركزية العراقية" طلباً رسمياً من واشنطن لتسليم القائد في «حزب الله» علي موسى دقدوق إلى الولايات المتحدة ليواجه تهم الاغتيال والإرهاب والتجسس وجرائم أخرى وجهتها إليه محكمة عسكرية أمريكية. وكانت المحاكم العراقية قد أسقطت تهماً مماثلة في 29 أيار/مايو ثم في 25 حزيران/يونيو عندما تم استئناف القرار الصادر ضده، مما سبب على ما يبدو إلى إعطاء المحكمة المركزية سبباً لرفض طلب تسليمه والموافقة على الإفراج عنه. ونص قرار القضاة على أنه "لا يمكن تسليمه لأن التهم الموجهة إليه قد أُسقطت في نفس القضية". لكن القضيتين ليستا متماثلتين، وهذا الحكم يعني أن بغداد قد تفرج قريباً عن أحد كبار قادة «حزب الله» وأكثرهم خطورة من بين أولئك الذين أُلقي القبض عليهم في أي وقت. وفي هذا الصدد جاء على لسان أحد مسؤولي "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية السابقين أن دقدوق "هو أسوأ السيئين. فيداه ملطختان بدم الأمريكيين. وفي حالة الإفراج عنه سيعود إلى إراقة المزيد من الدماء".
الخلفية: هجوم في كربلاء
في وقت مبكر من مساء 20 كانون الثاني/يناير 2007، اجتمع مسؤولون أمريكيون وعراقيون في "مركز التنسيق المشترك في محافظة كربلاء" على بعد نحو ثلاثين ميلاً جنوب بغداد لمناقشة العمليات الأمنية المحلية. وبعدها بفترة وجيزة، دخل موكب - يضم خمس "سيارات دفع رباعي" سوداء - عبر ثلاث نقاط تفتيش وسُمح له بالوصول إلى القاعدة؛ وكانت الشاحنات تحمل حوالي إثنا عشر مقاتلاً يتحدثون الإنجليزية ويرتدون زي الجيش الأمريكي ويحملون أسلحة أمريكية وبطاقات هوية مزورة.
وتوجه المهاجمون مباشرة نحو الوحدة الأمريكية وألقوا قنابل يدوية وفتحوا النار من بنادقهم الآلية. وبعد مقتل جندي أمريكي وإصابة ثلاثة آخرين، اختطفوا أربعة أفراد أمريكيين آخرين وفروا هاربين من المجمع. وبعدها عثرت الشرطة العراقية على مركباتهم التي تخلّوا عنها وبداخلها أزياء عسكرية تخلصوا منها وأجهزة راديو وبندقية وجثث ثلاثة من الجنود المختطفين. ولقي الجندي الرابع حتفه في الطريق إلى المستشفى.
إلقاء القبض على دقدوق
في آذار/مارس 2007، داهمت قوات بريطانية خاصة منزلاً في البصرة واعتقلت اثنين من المقاتلين المطلوبين، وهما الأخوان قيس وليث الخزعلي. وكان دقدوق متواجداً في ذلك المنزل أيضاً، وتظاهر أنه أصم وأبكم. ورغم مضي عدة أسابيع قبل أن يُفصح عن هويته الحقيقية لقوات التحالف، إلا أن مخزون المواد و [الأسلحة] التي تمت مصادرتها عند اعتقاله سرعان ما قاد المحللين إلى «حزب الله» و "قوة القدس" (فرع النخبة في "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني)، ونحو سلسلة من الهجمات استهدفت القوات البريطانية والأمريكية، من بينها عملية كربلاء في كانون الثاني/يناير.
وفي تموز/يوليو 2007 - بعد تجميع كافة الأدلة معاً - عقدت قوات التحالف مؤتمراً صحفياً للإعلان عن إلقاء القبض على الأخوة الخزعلي ودقدوق. كما أوضح المتحدث الرسمي باسم الجيش أهمية المعتقل الأخير. فكونه قائد نخبوي "قاد عمليات «حزب الله» في مناطق شاسعة من لبنان"، كان دقدوق قد انضم إلى المنظمة للمرة الأولى عام 1983، مما يجعله أحد الأعضاء الأوائل في الجماعة التي تشكلت إثر غزو إسرائيل للبنان عام 1982. وكان دقدوق أثناء إلقاء القبض عليه في العراق قد "خدم بالفعل في العديد من المناصب القيادية" داخل الهيكل الهرمي لـ «حزب الله».
أدلة دامغة تم تجاهلها
إن الحجة العراقية بأن تهم الإرهاب والتزوير المرفوعة ضد دقدوق كان لا بد من إسقاطها لعدم كفاية الأدلة ضده هي حجة زائفة للوهلة الأولى. فقد زعم دقدوق وقت إلقاء القبض عليه أنه عراقي اسمه حمد محمد جبارى عَلَمي. وكان بحوزته العديد من بطاقات الهوية المزورة تحمل صورته الفوتوغرافية، وتصفه موظف في مختلف وكالات الحكومة العراقية، من بينها مجلس الوزراء ووزارة الزراعة. لكن الواقع هو أنه "كان يعمل في العراق وكيلاً لعملاء «قوة القدس» المنخرطين مع جماعات خاصة". وقد تمت مصادرة الأدلة الدامغة التي تثبت تهمة التزوير أثناء إلقاء القبض عليه وكانت واضحة وجلية.
وفيما يتعلق بتهمة الإرهاب، فقد عُثر في حوزة دقدوق على وثائق تبيّن تفاصيل العديد من العمليات التي تستهدف قوات التحالف والقوات العراقية، من بينها استخدام عبوات ناسفة ومخططات اختطاف وهجمات على طائرات الهليكوبتر وهجمات بالأسلحة الخفيفة. وقد اشترك دقدوق بشكل مكثف - كونه أحد المدربين الرئيسيين - في إعداد عناصر خاصة لتنفيذ تلك الهجمات. وقد وجد بحوزته كتيب تدريبات تضمن إرشادات تكتيكية محددة لتنفيذ عمليات ناجحة. على سبيل المثال، وردت الإرشادات التالية للمقاتلين عند قيامهم بتنفيذ هجوم صاروخي ضد قافلة لقوات التحالف: "إطلاق صاروخين على الهدف والثالث لغايات التأمين"؛ "إطلاق النار على المركبتين الأولى والثانية"، "كل مركبة تطلق صاروخين (أربعة صواريخ لكل مركبة)؛ "تأمين المكان...وإطلاق النار على الجنود المرئيين"؛ "إطلاق طلقات فردية وعدم إطلاق النار بشكل آلي".
كما تكشف المستندات عن أن دقدوق تورط شخصياً في عمليات عنف بالعراق. على سبيل المثال، تسرد مذكرته الشخصية دوره في مخطط لاختطاف جندي بريطاني. إذ كتب يقول "كان الهدف من العملية هو تسلل شقيقين إلى القاعدة لاحتجاز جندي بريطاني - في اللواء الأول - باختطافه من الحمامات من خلال تخديره [بمادة معينة]". كما تبين ملاحظاته تفاصيل اجتماع عقده مع عملاء كانوا موجودين بالفعل أثناء محاولة الاختطاف التي فشلت بسبب تدخل الجنود العراقيين. وتشير مستندات أخرى إلى ضلوعه في هجمات ضد مقر القيادة البريطانية في قصر البصرة وفندق شط العرب.
كما تذكر مذكرة دقدوق مناقشات مع عملاء اشتركوا في تفجيرات بالعبوات الناسفة والأسلحة الخفيفة ضد القوات العراقية وقوات التحالف في محافظة ديالى: "قابلتُ الشقيقين [و] مراقبي محافظة ديالي وأصغيتُ إليهم بشأن العمليات...وقد نفذنا ثماني عمليات بالعبوات الناسفة على كلا الجانبين". إن استخدامه لضمير المتحدث يشير إلى أنه إما شارك شخصياً في تلك الهجمات أو كان يرى نفسه على أقل تقدير جزءاً رئيسياً من ذلك المخطط.
لكن الذي جذب انتباه كبار قادة التحالف هو "مستند التخطيط المتعمق والدروس المستفادة" بشأن هجوم 2007 على كربلاء، حيث لخّص أعمال المراقبة المكثفة قبل تنفيذ العملية والتحضير اللوجيستي والتدريبات التكتيكية التي نفذها العملاء. وقد اعترف كل من دقدوق والأخوة الخزعلي في النهاية بأن "القيادة العليا داخل «قوة القدس» كانت على علم بالتخطيط لهجوم كربلاء الذي حدث في النهاية ودعمته أيضاً". ووفق ما ذكره دقدوق، "ما كان للجماعات الخاصة العراقية أن تنفذ هذه العملية المعقدة دون دعم وتوجيه من «قوة القدس»".
تحميل «حزب الله» المسؤولية
في أواخر شباط/فبراير 2012، أعلنت الحكومة الأمريكية عن توجيه لجنة عسكرية تهماً ضد دقدوق كما هو موضح بالتفصيل في لائحة الاتهام المكونة من ثماني صفحات والتي كانت قد صدرت سراً في البداية بعد أيام من تسليمه إلى السلطات العراقية. وفي الوقت الذي أيّدت فيه محكمة الاستئناف العراقية قرار الإفراج عنه في حزيران/يونيو، كانت واشنطن قد تقدمت بالفعل بطلب رسمي لتسليمه. ولا شك أن أي محاكمة نزيهة كانت ستفضي إلى تبرئة دقدوق من بعض التهم الموجهة إليه أو جميعها. لكن الإخفاق في محاكمته على الإطلاق - واعتماداً على تلك الأسس الإجرائية الزائفة بشكل واضح - يشير إلى أن النظام القضائي العراقي له حسابات أخرى غير سيادة القانون.
وبالنسبة لواشنطن، فإن مسألة المحاكمة من عدمها في هذه القضية يجب أن تكون اختباراً لالتزام إدارة المالكي بالمبادئ الديمقراطية، لا سيما سيادة القانون والفصل بين السلطات. ويبدو أن بغداد قد خلصت في الوقت الراهن إلى أن التكلفة السياسية لمساءلة أحد كبار قادة «حزب الله» - في العراق أو الولايات المتحدة - ستكون باهظة جداً. وترغب بغداد في موازنة علاقاتها مع إيران وواشنطن، كما أن هذه القضية تعد مسألة حيوية لكل منهما. وبناءاً على ذلك، يجب على واشنطن أن توضح لأعلى مستويات الحكومة العراقية بأنه ستكون هناك تبعات ملموسة للإفراج على وجه السرعة عن وكيل إيراني يداه ملطختان بدماء الأمريكيين [من دون محاكمة].
ماثيو ليفيت هو مدير برنامج ستاين للإستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن.