أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المجهر السياسي 111

نفوذ إيران في العراق مواجهة منهج حكومة طهران الشامل

مايكل آيزنشتات, مايكل نايتس, و أحمد علي

متاح أيضاً في English

28 نيسان/أبريل 2011


ملخص تنفيذي

 

وفرت الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 فرصة تاريخية لجمهورية إيران الإسلامية لتحويل علاقتها مع العراق -- التي كانت سابقاً واحدة من أشد أعدائها. فقد استغلت إيران الحدود الطويلة التي يسهل اختراقها مع العراق وعلاقاتها طويلة المدى مع سياسيين عراقيين رئيسيين وأحزاب وجماعات مسلحة عراقية فضلاً عن قوتها الناعمة المتمثلة في المجالات الاقتصادية والدينية والإعلامية لتوسيع نفوذها وبالتالي ترسيخ مكانتها كوسيط القوة الخارجي الرئيسي في العراق.

الحلفاء السياسيين

حاولت إيران التأثير على سياسات العراق من خلال العمل مع الأحزاب الشيعية والكردية لخلق دولة فيدرالية ضعيفة يهيمن عليها الشيعة وتتقبل النفوذ الإيراني. فقد شجعت حلفاءها المقربين -- "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" وميليشيته السابقة "منظمة بدر" و"حزب الدعوة الإسلامي" وكذلك "الصدريين" مؤخراً -- للمشاركة في الحياة السياسية والمساعدة على تشكيل المؤسسات الوليدة في العراق.

يكمن هدف طهران في توحيد الأحزاب الشيعية في العراق لكي تتمكن من ترجمة ثقل الشيعة الديموغرافي (نحو 60 بالمائة من سكان البلاد) إلى نفوذ سياسي، وبذلك تعزز من سيطرة الشيعة على الحكومة. وتحقيقاً لهذه الغاية، حاولت إيران التأثير على نتائج الانتخابات البرلمانية عامي 2005 و2010 وكذلك انتخابات 2009 الإقليمية من خلال تمويل مرشحيها المفضلين وتقديم المشورة إليهم وتشجيع حلفائها الشيعة على خوض الانتخابات تحت قائمة موحدة لمنع تقسيم أصوات الشيعة. وبالإضافة إلى ذلك، ولأجل ضمان تأمين مصالحها بغض النظر من يكون الفائز، قامت طهران بتأمين رهاناتها من خلال دعم عدد من الأحزاب والحركات الشيعية. كما سعت إلى الحفاظ على علاقاتها الجيدة بصفة تقليدية مع الأحزاب الكردية الرئيسية لتأمين نفوذها في أجزاء من شمال العراق.

وتمارس طهران نفوذها من خلال سفارتها في بغداد وقنصلياتها في البصرة وكربلاء وأربيل والسليمانية. كما أن سفيريها الإثنين الذين عُينوا بعد عام 2003 كانوا قد خدموا في "قوة القدس" التابعة لـ "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" (المسؤول عن العمليات السرية في الخارج)، وذلك يؤكد الدور الذي تلعبه أجهزة الأمن الإيرانية في صياغة وتنفيذ السياسة الإيرانية في العراق. وقد استخدمت هذه الأجهزة الأمنية أحياناً عملاء من «حزب الله» اللبناني يتحدثون العربية لتسهيل دعم الجماعات والميليشيات المتمردة.

لقد كان تشكيل الحكومة الثانية في كانون الأول/ديسمبر 2010 برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي بمثابة مرحلة بارزة في جهود إيران لتوحيد حلفائها السياسيين الشيعة في العراق. إلا أن هناك ما يبرهن على أن هذه الحكومة غير مستقرة، حيث إنها تجمع بين أحزاب مختلفة انخرطت في صراعات عنيفة في الماضي غير البعيد. ولذلك لا يزال علينا أن نرى فيما إذا كانت طهران ستنجح في النهاية في تدعيم عملائها الشيعة المنقسمين وتحويلهم إلى جبهة سياسية مستدامة وموحدة أو ما إذا كانت جهودها للقيام بذلك ستبوء بالفشل في النهاية. وبغض النظر عما سبق، فإن الوضع الراهن يضمن لإيران دور وسيط سياسي في حالة ظهور انشقاقات في الائتلاف الحاكم.

لقد أظهرت فترة ما بعد عام 2003 مدى القصور في نفوذ إيران على عملائها الشيعة في العراق، الذين يقبلون الدعم الإيراني عندما تفرض مصلحتهم الذاتية فعل ذلك، ويسعون إلى الحصول على الدعم من مكان آخر عندما لا تقتضي المصلحة القيام بذلك. لقد أظهرت السنوات الأخيرة أيضاً أن أنشطة طهران على الساحة السياسية العراقية قد شابها سوء التنسيق مع أنشطتها الأخرى في العراق -- مثل دعم الجماعات المسلحة المقاتلة -- مما يشير إلى عدم الاتساق في منهج حكومة إيران الشامل تجاه العراق.

الميليشيات والمتمردون

على الرغم من أن إيران قد شجعت حلفائها السياسيين العراقيين منذ عام 2003 على العمل مع الولايات المتحدة والمشاركة في العملية السياسية الديمقراطية الوليدة، إلا أنها قامت بتسليح وتدريب وتمويل الميليشيات الشيعية والمتمردين الشيعة -- وفي بعض الأحيان السنة -- للعمل تجاه إنزال هزيمة مهينة بالولايات المتحدة بحيث تردع التدخلات العسكرية الأمريكية المستقبلية في المنطقة.

وربما تكون إيران قد استخدمت وكلاءها من المحاربين الشيعة المسلحين لإذكاء التوترات الطائفية والتحريض على العنف السياسي، لكي تتقدم حينها دبلوماسياً لحل هذه الصراعات -- مما يضمن لها دوراً كوسيط في العراق. إن هذه الجماعات المسلحة تزود طهران أيضاً بمصدر نفوذ بديل إذا ثبت أن حلفاءها السياسيين لا يمكن الوثوق بهم، وتوفر لها وسيلة للانتقام من القوات الأمريكية في العراق في حالة تعرض المنشآت النووية الإيرانية لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وبعد عام 2003، ركزت إيران مواردها في البداية على حلفائها التقليديين في "فيلق بدر" التابع لـ "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، لكنها سرعان ما وسعّت نطاق مساعداتها لتشمل "جيش المهدي" التابع لـ "التيار الصدري" والجماعات الخاصة ذات الصلة، وحتى بعض الجماعات السنية المتمردة. ومع انضمام هذه الجماعات إلى العملية السياسية، قامت إيران بتقسيم العناصر المتطرفة لتشكل مجموعات خاصة سرية جديدة، وهو أسلوب استخدمته في البداية عندما شكلت منظمة «حزب الله» اللبنانية المتطرفة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي.

وبحلول عام 2010، ضيّقت إيران نطاق دعمها وقصرته على ثلاث جماعات شيعية مسلحة وهي: "لواء اليوم الموعود" -- خليفة "جيش المهدي" -- التابع لمقتدى الصدر وجماعتان خاصتان: "عصائب أهل الحق" وكتائب «حزب الله». لكن ثبت أن دعم إيران لـ "جيش المهدي" ينطوي على صعوبات خاصة، حيث إن أجندة الميليشيا المتطرفة وتنافسها على السلطة داخل المجتمع الشيعي سرعان ما جلبها في صراع مع "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" والحكومة العراقية، مما قوض من الجهود الإيرانية لتوحيد المجتمع الشيعي.

وفي أعقاب انسحاب الجيش الأمريكي من العراق، ربما تستخدم طهران دعمها لهذه المليشيات الشيعية والجماعات المتمردة للضغط على الحكومة العراقية من أجل الحد من علاقتها مع الولايات المتحدة وكمصدر للتأثير في قضايا أخرى. وبمحاكاتها «حزب الله» في لبنان، قد تحاول أيضاً بعض الجماعات الخاصة التي ترعاها إيران أن تبسط نفوذها في الشارع و[تستخدم] أنشطة المقاومة السابقة التي اضطلعت بها ضد الولايات المتحدة كمدخل إلى الحياة السياسية. وإذا ما حدث ذلك، من المرجح مرة أخرى أن تقوم طهران بفصل العناصر المتطرفة عن هذه المنظمات لتشكيل جماعات خاصة جديدة -- تسهم في مزيد من التجزئة لمجتمع الشيعة، وتقوض، على نحو مثير للسخرية، من جهودها لتوحيد حلفائها العراقيين سياسياً.

القوة الناعمة

عملت إيران على نسج أنشطة القوة الناعمة في منهجها الحكومي الشامل بما يعكس نفوذها في العراق. وتحقيقاً لهذه الغاية، فقد اتخذت تدابير وقائية واتبعت سياسات تجارية لا تحقق مصلحة العراق، وحاولت السيطرة على شبكة الملالي الشيعية فوق الوطنية التي مقرها في النجف، كما حاولت التأثير على الرأي العام العراقي من خلال أنشطة المعلومات. وفي حين أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين والعراقيين قد عبّروا عن قلقهم من أن الجيش العراقي لن يكون مستعداً لتأمين المجال الجوي والمياه الإقليمية للبلاد عندما ترحل القوات الأمريكية بحلول نهاية عام 2011، فإن القوة الناعمة الإيرانية تشكل على الأرجح أكبر تهديداً على سيادة العراق واستقلاله على المدى الطويل.

الروابط الاقتصادية. عززت إيران من روابطها التجارية والاقتصادية مع العراق للحصول على مكاسب مالية وتحقيق القدرة على التأثير على جارتها. وقد أوردت التقارير أن التجارة بين الدولتين بلغت 7 مليارات دولار عام 2009، رغم أن الميزان التجاري لا يزال في صالح طهران بشكل كبير. ومن خلال إغراق العراق بمنتجات وسلع استهلاكية رخيصة ومدعومة، قوضت الجمهورية الإسلامية من القطاعات الزراعية والتصنيعية لجارتها، وتسببت في مشاعر استياء بين العراقيين. إن بناء إيران للسدود وتحويلها للأنهار التي تغذي المجرى المائي لشط العرب قد قوض من الزراعة العراقية في الجنوب وأعاق جهود إحياء الأهوار في العراق. ورغم أن إيران قد عوضت [نوعاً ما] من نقص الكهرباء في العراق من خلال توفير نحو 10 بالمائة من احتياجات البلاد (وهذه النسبة هي في الواقع أعلى بكثير في العديد من الأقاليم المتاخمة لحدود إيران)، إلا أن العديد من العراقيين يرون أن إيران تتلاعب بهذه الإمدادات لأغراض سياسية.

تصدير الإسلام الثوري. لقد كان أحد أهداف إيران الرئيسية منذ الثورة الإسلامية هو تأمين سيادة أيديولوجيتها الرسمية في المجتمعات الشيعية في جميع أنحاء العالم. ومن خلال دعم الملالي الإيرانيين المدربين في قُم والمتعمقين في الفكر الإسلامي الرسمي لحكم الملالي، بدلاً من رجال الدين المدربين وفق الأسلوب التقليدي الأكثر هدوءاً للحوزات الدينية في النجف، قد تكون إيران مستعدة الآن لتحقيق هذا الهدف، عبر الاستخدام المفرط لأموال الدولة من أجل تمويل أنشطة ملاليها المسيّسين. وعلاوة على ذلك، فإن وفاة عالم الدين اللبناني المؤثر آية الله العظمى حسين فضل الله، الذي لقي تدريبه في النجف، فضلاً عن تقدم سن واعتلال صحة آية الله علي السيستاني -- العضو الأول في مدرسة النجف ومرجعيتها، أو مصدر التقليد لنحو 80 بالمائة من جميع الشيعة في كل أنحاء العالم -- يجعل مدرسة النجف معرضة للنفوذ الإيراني.

لقد أصبحت العراق وجهة رئيسية للسياح الدينيين الإيرانيين. إذ يزور نحو 40,000 إيراني المدن المقدسة في العراق شهرياً، كما تشير التقديرات إلى أن حوالي ثلاثة إلى أربعة ملايين شخص يزورون العراق أثناء الاحتفالات السنوية بذكرى عاشوراء. كما أن النجف، وهي مركز تقليدي للعالم الشيعي ويبرز نجمها كمركز سياسي عراقي هام وربما تأتي بعد بغداد مباشرة، قد أصبحت محط تركيز الاستثمارات الإيرانية التي تفيد على نحو غير متناسب، حلفاء طهران من السياسيين المحليين. وبهذه الطريقة تشتري إيران نفوذها في العراق.

المعلومات والدعاية والرأي العام. تتنافس إيران، إلى جانب جهودها الأخرى، من أجل الفوز بعقول وقلوب العراقيين من خلال الأنباء والبرامج الترفيهية باللغة بالعربية التي تعكس وجهة نظر طهران حول الأخبار المتعلقة بالعراق والمنطقة. بيد لم تلق جهود الدعاية هذه سوى نجاح محدود ولم تتمكن من التعويض عن الأعمال الإيرانية التي أسفرت عن رد فعل معادٍ لإيران، حتى في المناطق الشيعية.

منذ عام 2003، أبرزت بيانات الاستطلاعات بصورة مستمرة أن أعداداً كبيرة من العراقيين (بما في ذلك الشيعة) يعتقدون أنه كان لإيران تأثير سلبي في الغالب على السياسات العراقية ولا يرون أن نموذج الحكم في إيران قابلاً للتطبيق في العراق. ورغم أنشطة إيران الإعلامية، فقد ظل هذا التصور ثابتاً إلى حد ما منذ عام 2003.

بيد، أن للرأي العام في العراق قيوده أيضاً، حيث أن السياسات العراقية على المستوى الوطني تتضمن نخبة صغيرة منخرطة في عقد الصفقات والمساومات وراء أبواب مغلقة، يلعب فيها الرأي العام دوراً هامشياً بينما بوسع إيران العمل وراء الكواليس. ومع ذلك، فإن الاتجاهات العراقية تشرح سبب مواصلة إيران على الاعتماد بشدة على قوتها الناعمة وأجهزتها الأمنية وأعمالها السرية لتعكس نفوذها في العراق.

القيود على نفوذ إيران

رغم قيام طهران باستثمار موارد هائلة لتوسيع نطاق نفوذها في العراق، إلا أن النتائج التي حققتها متباينة. فقد كانت علاقاتها مع عملائها العراقيين حافلة مراراً وتكراراً بالتوترات والعنف، وأمضت إيران الكثير من الوقت والجهد للعب دور الوسيط وإدارة المشاكل التي ساعدت في خلقها. إن تدخل طهران في السياسات العراقية كان عائقاً سياسياً بصورة متكررة لحلفائها المحليين.

وقد أخفقت طهران في منع التوقيع على "الاتفاقية الأمنية" و" اتفاقية الإطار الاستراتيجي" بين العراق والولايات المتحدة، رغم أنها نجحت في إدراج بند في "الاتفاقية الأمنية" يضمن عدم استخدام العراق كنقطة انطلاق لشن هجوم على إيران.

وأخيراً، عملت بعض سياسات طهران على تعزيز المشاعر المعادية للإيرانيين في العراق. فإلى جانب إغراق السوق العراقية بالمنتجات المدعومة وتحويل مسارات الأنهار التي تغذي شط العرب، فإن القصف المدفعي على القرى الكردية الشمالية بين الحين والآخر والاستفزازات مثل الاحتلال المؤقت في كانون الأول/ديسمبر 2009 لحقل نفط "الفكة" في محافظة ميسان، لم تجعل إيران محبوبة من الجمهور العراقي.

التوصيات السياسية

لم تحقق محاولات إيران لبسط نفوذها في العراق حتى الآن سوى نتائج متباينة، رغم أن تشكيل حكومة جديدة تتضمن العديد من الحلفاء العراقيين الأكثر قرباً من طهران والانسحاب العسكري الأمريكي الوشيك من العراق، سوف يمنح فرصاً جديداً لكي توسع إيران نطاق نفوذها. ومن المحتمل أن يؤدي هذا التحرك إلى خلق المزيد من الدفع العكسي من العراق، على الرغم من أنه يبقى أن يُرى فيما إذا كان النفوذ الإيراني سيستمر في "تقييد ذاته" أو ما إذا كانت هذه الحقيقة الناشئة سوف تخلق فرصاً جديدة لطهران لكي تحول العراق إلى دولة عميلة ضعيفة من خلال عملية متدرجة "للتحول إلى النموذج اللبناني".

وعلى المدى الطويل، فإن طبيعة العلاقة بين العراق وإيران سوف تعتمد إلى حد كبير على الوضع الأمني في العراق والتركيبة السياسية للحكومة العراقية ونوع العلاقة طويلة الأمد التي تبنيها العراق مع جيرانها العرب والولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، &a