أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المجهر السياسي 118

في أعقاب الحرب: الصراع على ليبيا في مرحلة ما بعد القذافي

جيسون باك و باراك بارفي

متاح أيضاً في English

27 شباط/ فبراير 2012


ملخص تنفيذي

 

في 20 كانون الثاني/يناير 2012، عُثِر على السفير الليبي السابق لدى فرنسا عمر بريبش مقتولاً بعدما عذبه مقاتلون من مدينة الزنتان لارتباطاته بالزعيم الليبي السابق معمر القذافي. وقد كانت تلك الحادثة هي الأخيرة فقط في سلسلة طويلة من أعمال العنف التعسفية التي نفذتها تلك الميليشيات المتشرذمة التي أطاحت بالقذافي. وعلى الرغم من أن هذا التقلب يهدد بتقويض الحكومة المؤقتة في البلاد إلا أن "المجلس الوطني الانتقالي" ظل حتى الآن عاجزاً وغير راغب في نزع سلاح هذه الميليشيات أو دمج صفوة مقاتليهم في ألوية الجيش الرسمية أو تسريح أولئك الراغبين في العودة إلى الحياة المدنية. وأفضل وصف للتوتر الناشئ بين السلطات المؤقتة والميليشيات هو أنه صراع بين "المركز" الذي يسيطر على المؤسسات الوطنية وتدفق النفط ومليارات من الأصول المجمدة من جهة، و"أطراف" مهمشة يمكن أن تتحدى شرعية المركز بلجوئها إلى العنف والاحتكام إلى الولاءات المحلية من جهة أخرى.

وتنبع قوة الأطراف من الأحداث الفريدة للثورة التي استمرت ثمانية أشهر. فقد طردت شرق ليبيا (برقة) قوات القذافي بعد أيام معدودة فقط من بدء الاحتجاجات في منتصف شباط/فبراير، وسرعان ما برزت بنغازي كمركز سياسي للمتمردين. ويندرج القتال في غرب ليبيا (طرابلس الغرب) تحت فئة مختلفة. ففي المدن الرئيسية مثل مصراتة والزنتان والزاوية والزوراء وغريان طرد المتمردون المحليون في البداية القوات الموالية من مدنهم لكنهم وجدوا أنفسهم لاحقاً محاصرين بقوات الحكومة على أطراف مدنهم. وقد سقطت بعض هذه المدن بينما لم يسقط البعض الآخر. وبعد فرض منطقة حظر طيران بقيادة منظمة حلف شمال الأطلسي وبموافقة الأمم المتحدة تم إحباط محاولة القذافي استعادة شرق ليبيا في منتصف آذار/مارس، وكانت المعارك على الطريق الساحلي الذي يربط بين أجدابيا وسرت غير وثيقة الصلة بشكل كبير بنجاح الثورة. كما أن المدن الكبرى في طرابلس الغرب هي التي تحمّلت وطأة القتال الحقيقي مع دعم قليل من "المجلس الوطني الانتقالي". أما النجاحات اللاحقة مثل الاستيلاء على طرابلس وقتل معمر القذافي وإلقاء القبض على ابنه سيف الإسلام فقد تصدرت جميعها ميليشيات رجال طرابلس الغرب. ونتيجة لتضحياتهم وانتصارهم النهائي اعتُبر هؤلاء المقاتلون أبطالاً في مجتمع معروف تاريخياً بأنه لا يثق بالحكومات الرسمية.

غير أن المشاعر التي ولّدتها انتفاضات 2011 ليست جديدة؛ فالأطراف القوية هي السمة المتكررة في التاريخ الليبي. فعلى مدى القرن التاسع عشر كان الوالي العثماني لطرابلس في وضع يجعله مضطراً إلى بسط سلطانه على المناطق النائية في البلاد، لكنه لم يبذل قط نفوذاً كبيراً في برقة. ومنذ نهاية فترة الاستعمار الإيطالي في عام 1943 فقد حكمت ليبيا في الواقع قطاعات مختلفة من الأطراف الليبية المتكونة من رجال قبائل غير حضريين وحضريين من خلفيات ريفية مما أعطى فرصة لصعود أطراف جديدة من المحرومين سابقاً.

إن الإدارة العسكرية البريطانية (1943-1951) والنظام الملكي السنوسي المرتكز في برقة (1951-1969) ونظام معمر القذافي الثوري (1969-2010) قد استمدت جميعها الرتب العليا وذلك في المقام الأول من رجال قبائل ذوي خلفيات ريفية. واستمر نظام القذافي قائماً حتى عام 2011 لأنه على الرغم من تجنبه المتعمد بناء مؤسسات بيروقراطية مركزية إلا أنه كان من القوة بما يكفي لقمع توحد مراكز القوى المنافسة. وحتى في ذروة قوته كان على القذافي أن يتعاطى مع الانتفاضات التي تحدث من آن لآخر في المناطق النائية. واليوم في ظل غيابه فإن الأعيان المحليين والتجمعات القبلية والميليشيات تتنافس جميعها لمنع "المجلس الوطني الانتقالي" من بسط سلطته على إقطاعياتهم لا سيما وأن ضعف "المجلس" يتعقد بحقيقة أنه لم يرث مؤسسات وطنية وظيفية. ويشكل هذا الموقف الاختلاف الرئيسي بين ليبيا ما بعد الثورة وأنظمة "الربيع العربي" المجاورة في تونس ومصر، ويُنظر إليه في هذا الضوء، ولذا فليس من المستغرب عدم تمكن "المجلس الوطني الانتقالي" من جلب تلك الأطراف إلى الاصطفاف معه.

ورغم التحديات الداخلية التي يواجهها سيظل "المجلس الوطني الانتقالي" هو الوجه السياسي والدولي لليبيا ما بعد القذافي. وقد أُنشئ "المجلس" لضمان التمثيل الجغرافي من مختلف المناطق في جميع أنحاء ليبيا ولذلك فقد تولى بشكل حاسم دور حكومة سيادية مؤقتة حيث يسيطر على خزائن الدولة كما أنه يحظى باحتكار سياسة ليبيا الخارجية. ورغم أنه يواجه أطرافاً مستاءة من تسليم السلطة والنفوذ المكتسبين أثناء ثورة الثمانية أشهر إلا أن ثمة تهديداً ضعيفاً بأن هذه القوات سوف تلتحم لتقدم نفسها باعتبارها حكومة بديلة مترابطة. وفي الوقت نفسه فإن نجاح التمرد بقيادة موالين وعناصر من نظام القذافي السابق الساعي للاستيلاء على مركز القوة هو أمر مستحيل.

غير أنه رغم عدم وجود بديل حيوي إلا أن قدرة "المجلس الوطني الانتقالي" على حكم ليبيا تعترضها ميليشيات إقليمية وأيديولوجية على حد سواء. وتأتي أقوى الألوية من مصراتة والزنتان التي واجهت هجمات مدمرة من الموالين استمرت لمدة أشهر. وقد شكل التهديد الوجودي الذي واجهه هؤلاء المقاتلون روابط وغرس مهارات معارك كانت الوحدات الأخرى تفتقر إليها. واليوم فإن ميليشيات من هاتين المدينتين منخرطة في صراع مفتوح على السيادة في ليبيا. وقد تبادلوا إطلاق النار في 1 شباط/ فبراير في وسط طرابلس.

ولدى الميليشيات الأخرى الأضعف نزعة إسلامية أيديولوجية كما أن لدى بعض القادة خبرة من القتال في أفغانستان والعراق لكنهم تخلوا عن توجههم الجهادي الدولي ليركزوا أكثر على المستوى الوطني. ومن بين أكثر الوحدات الإسلامية بروزاً، "مجلس طرابلس العسكري" ولواء 17 فبراير/شباط من شرق ليبيا.

يجب على "المجلس الوطني الانتقالي" التركيز على بناء المؤسسات وإيجاد صيغة عملية لدمج هذه الأطراف غير المركزية في داخل ليبيا الجديدة وتسخير طاقتها وشبابها لصالح الدولة. وقد قُدر للميليشيات أن تشكل العمود الفقري لـ "جيش ليبيا الوطني" الجديد الذي يوجد حالياً بالاسم فقط. ولدى "المجلس الوطني الانتقالي" عدد من الأدوات الاقتصادية والسياسية تحت تصرفه لاستيعاب المقاتلين. فقد خصص ثمانية مليارات دولارات لـ "هيئة شؤون المحاربين" لإعادة دمج المحاربين في الحياة المدنية عن طريق عرض منح تدريبية ومساعدة في البحث عن وظائف ومنح قروض لمشروعات صغيرة ومساعدات مالية للزواج. ورغم أن "المجلس الوطني الانتقالي" في وضع يؤهله ضمان مثل هذه البرامج إلا أنه يفتقر إلى القدرة الفنية لتنفيذها. وتحتاج واشنطن إلى العمل مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية لعرض الخبرة اللازمة على "المجلس الوطني الانتقالي" لرعاية هذه المبادرات حتى تؤتي ثمارها المرجوة. وبالإضافة إلى ذلك ينبغي على "المجلس" الاعتماد على شبكات الرعاية التقليدية التي ربطت المركز تاريخياً بالأطراف غير المركزية في ليبيا. وقد فعل ذلك ببراعة بترشيح عنصرين بارزين من مصراتة والزنتان لمنصبي وزير الداخلية والدفاع على التوالي. ويستطيع "المجلس الوطني الانتقالي" أيضاً أن ينظر في نقل بعض السلطة إلى المجالس المدينة المنتخبة محلياً وذلك للحد من الاستياء وتهدئة المخاوف من أن الحكومة المركزية الجديدة ستسعى لاحتكار السيطرة. ومع ذلك فإن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر ويجب تطبيقها بحذر لأنها يمكن أن تضعف "المجلس الوطني الانتقالي" في نفس اللحظة التي يحاول فيها استعراض قوته. وعلى هذا النحو فإن الحاجة إلى مثل هذا التراجع قد أصبحت واضحة بشكل هائل من خلال الاضطرابات التي وقعت في أواخر كانون الثاني/يناير 2012 في بني وليد حيث تمرد السكان المحليون بعد الادعاء بأن مجلسهم المحلي لم يكن يمثلهم.

واختصاراً فإن الطريق للأمام ضبابي، حيث يتساءل الكثير من أعضاء "المجلس الوطني الانتقالي" والمجتمع الدولي عما إذا كان ينبغي للسلطات الانتقالية أن تتجنب اتخاذ سياسات قاطعة أم لا، لا سيما وأن الحكومات اللاحقة ربما تنظر إلى التشريع الجديد على أنه يفتقد الشرعية التي ستملكها حكومات منتخبة. وثمة رؤية بديلة، أعني أن المركزية وبناء المؤسسات ودحر القوة المتأصلة في الأطراف غير المركزية والتي تمثلها ميليشيات هي أمور حتمية بالنسبة لليبيا. ولن تستطيع ليبيا تثبيت الأمن اللازم لإنعاش الاقتصاد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة إلا من خلال الإجراءات الفورية لمعالجة اختلالات التوازن الحالية بين المركز والأطراف.

كما أن القوى الخارجية في وضع جيد يمكنها من مساعدة "المجلس الوطني الانتقالي" على تعزيز قبضته على ليبيا الجديدة، ولها مصالح خاصة في القيام بذلك. فقد تصدرت فرنسا حملة الإطاحة بالقذافي، وهي متحمسة للعمل مع "المجلس الوطني الانتقالي" من أجل بناء مؤسسات دولة قوية. وإذا ما استقرت ليبيا فإن ذلك سيجتذب استثمارات خارجية ستساعد بدورها قطاع فرنسا التجاري على تعويض النفقات العسكرية التي تكبدتها الحكومة في الإطاحة بالقذافي. كما أن الحاكم الاستعماري السابق لليبيا وهي إيطاليا مهتمة أيضاً بضمان نجاح "المجلس الوطني الانتقالي" واتباع سياسات داعمة لقطاع الأعمال. فهي أكبر شريك تجاري لليبيا وتستهلك حصة الأسد من صادراتها النفطية. ومع ذلك فبخلاف فرنسا ودول غربية أخرى ستعطي إيطاليا على الأرجح أولوية لمصالحها التجارية ومعارضة الجهود الدولية الجماعية لتقوية "المجلس الوطني الانتقالي" لو كانت تتعارض مع قدرة روما على اقتطاع مكان خاص لشركاتها في ليبيا.

وقد أسست قوى عربية مثل قطر والإمارات العربية المتحدة نطاقات نفوذ في ليبيا الجديدة. فقد حثت قطر العالم العربي على دعم التدخل العسكري، وقدمت للمتمردين في وقت لاحق مساعدات مالية وأسلحة. وعلى الرغم من أن القطريين قد ساعدوا "المجلس الوطني الانتقالي" على الإطاحة بالقذافي إلا أنهم لم يساعدوا "المجلس" على تأكيد سلطته. وقد موّل القطريون الميليشيات الإسلامية التي تتحدى "المجلس الوطني الانتقالي" من خلال مقاومة خطوات لاستمالة مقاتليها للانخراط في جيش مؤسسي.

ووسط هذا الارتباك، تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل الكثير لمساعدة "المجلس الوطني الانتقالي" على إدارة مرحلة الانتقال إلى ديمقراطية انتخابية. فباستطاعة واشنطن تقوية "المجلس" في كفاحه لتسريح الميليشيات عن طريق جلب أعداد كبيرة من المقاتلين إلى الولايات المتحدة للحصول على تدريب مهني. ولكي تقوم بذلك فإنها ستحتاج وبسرعة إلى استعادة نظامها لإصدار التأشيرات الذي كان موقوفاً. كما أن فتح قنصلية في بنغازي يمكن أن يكون مفيداً أيضاً.

ويبدو أن الولايات المتحدة و «المجلس الوطني الانتقالي» يعملان حالياً وفق مبدأ "الأمن والشرعية أولاً" الذي يعني أن المبادرات الجريئة لا يمكن أن تتم إلى ان يتحقق المزيد من الأمن وتتولى السلطة حكومة شرعية. لكننا نوصي هنا باتباع مسار مخالف، بتمسكنا بالفكرة بأن مجرد الانتظار للانتخابات في أواخر حزيران/يونيو والاستقرار المستقبلي سيقوض النجاح المحتمل لكلا الهدفين. ويُعد الإجراء الفوري ضد الميليشيات ضرورياً قبل أن ترسخ هذه نفسها في النظام الاجتماعي الليبي. إن الأدوات الإبداعية مثل الدعاية المضادة للميليشيات والتعاطي مع الأجنحة السياسية للإسلاميين المعتدلين بدلاً من الأجنحة العسكرية والتواصل مع "الخاسرين" من الثورة جميعها خيارات ينبغي أن يستغلها "المجلس الوطني الانتقالي" وأن يُيسرها صناع السياسة الأمريكيون.

لقد ظل الشرق الأوسط لفترة طويلة نظاماً مخترقاً حيث كان العرب يلقون بلائمة التدخل في سياساتهم واقتصادياتهم الداخلية على قوى خارجية لخدمة مصالح خارجية. وعلى النقيض من ذلك، فإن التدخل في ليبيا بقيادة منظمة حلف شمال الأطلسي في عام 2011 هو مثال لافت على قوى خارجية تساعد حركات داخلية ذات قيادة عربية. يجب على المرء ألا ينسى أن التدخل قد حدث فقط لأنه قد دُعي إليه أولاً من قبل "المجلس الوطني الانتقالي" ثم طالبت به جامعة الدول العربية ثم صادقت عليه الأمم المتحدة. ولذا فإن هذا التدخل وآثاره يمكن أن يؤسس سابقة جديدة للعناصر الدولية والأمريكية لدعم القوى الاجتماعية الأصيلة داخل العالم العربي والتخلي عن اعتماد الولايات المتحدة سابقاً على الطغاة في المنطقة. إن ليبيا المستقرة والديمقراطية التي تحكمها سيادة القانون لن تعزز الاستقرار في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا فحسب بل ستزيد أيضاً من إنتاج النفط وتجعل من الصعب على الشبكات الجهادية الاستحواذ على شيء. والأكثر أهمية أنها سوف تُبشِّر باتجاه جديد يمكن فيه تأمين المصالح الأمريكية من خلال دعم قوى شعبية داخل العالم العربي.

 

جيسون باك هو رئيس موقع Libya-Analysis.com، وعمل في طرابلس وواشنطن على تعزيز العلاقات التجارية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة وليبيا. وحالياً هو طالب دكتوراه في جامعة كيمبريدج حيث يركز على العوامل الاستراتيجية والدبلوماسية والمؤسسية التي شكلت الإدارة العسكرية البريطانية في ليبيا خلال الفترة 1942-1951.

باراك بارفي هو زميل أبحاث في "مؤسسة أمريكا الجديدة" يركز على الشؤون العربية والإسلامية. وكزميل زائر سابق في معهد بروكينغز، قضى ستة أشهر في ليبيا خلال الثورة.