أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1864

تداعيات التدخل العسكري في سوريا

جيفري وايت

متاح أيضاً في English

28 أكتوبر 2011


"رغم أن التدخل العسكري في سوريا سوف ينطوي على بعض المخاطر، إلا أن عدم التدخل في مواجهة العنف والطبيعة القمعية اللذين كشف عنهما النظام بشكل كامل الآن سوف ينطوي على مخاطر أيضاً".

 

من المرجح أن تزداد المناقشات بشأن التدخل العسكري في سوريا خلال الأسابيع القادمة بالنظر إلى العنف المستمر من جانب النظام وانتهاء تدخل الناتو في ليبيا وزيادة المعارضة المسلحة التي يعززها الانشقاقات من قوات النظام. ورغم الأهمية العاطفية لهذه المناقشات وعوامل أخرى، إلا أن أي مناقشة للتدخل يجب أن تقوم على دراسة جادة للمسائل الرئيسية التي ينطوي عليها استخدام القوة العسكرية: وهي تحديداً الغايات والوسائل والمخاطر التي ينطوي عليها الأمر.

الحاجة لأهداف واضحة

يتعين أن يكون لأي تدخل عسكري في سوريا أهداف واضحة وواقعية. وسوف يكون الهدف الأدنى هو وضع بعض تدابير الحماية للشعب السوري، المعرض حالياً لمخاطر كبيرة. ومن بين الأهداف الأخرى منح المعارضة القدرة على الاشتباك عسكرياً مع قوات النظام. إن يد النظام في الوقت الحالي مطلقة فعلياً في العمل ضد المعارضة. والهدف الأكثر طموحاً هو إلحاق هزيمة كلية ببشار الأسد، مع تدخل القوات الأجنبية بمفردها أو بالتعاون مع عناصر المعارضة. وبغض النظر عن الأهداف التي يتم اختيارها، إلا أنه ينبغي فهمها بوضوح والاتفاق عليها من قبل المشاركين في التدخل.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون الأهداف قابلة للتنفيذ بشكل معقول من خلال القوات المتاحة وضمن إطار زمني ممكن من الناحية السياسية (أي أسابيع أو شهور وليس سنوات). كما يجب أن تكون قائمة بشكل مشروع على مصالح الشعب السوري، وليس فقط احتياجات الأطراف المتدخلة. إن العجز عن وضع أهداف واضحة وقابلة للتنفيذ ومشروعة للتدخل قد يؤدي إلى معارضة سياسية وعامة و"تحول المهمة تدريجياً" فضلاً عن الانشقاقات من المعسكر الدولي والتردد في وجه الانتكاسات والأزمات.

تقييم القدرات

يجب أن يقوم قرار التدخل كذلك على فهم واضح لقوة النظام ومرونته. واستناداً إلى أدائها حتى الآن، تبدو الحكومة قادرة على صراع طويل الأجل.

يلزم كذلك تقييم قدرات المعارضة على خوض صراع طويل. هل سيكون بمقدور معارضي الأسد تحمل الوضع الذي من المرجح أن يصبح أكثر عنفاً؟ هل يمكنهم تطوير مكون مسلح فعال والاستفادة من المساعدات العسكرية الخارجية؟ لقد أظهرت المعارضة الليبية كل هذه القدرات وأكثر من ذلك بكثير منذ بداية ثورتهم؛ إلا أن الصورة في سوريا أقل وضوحاً بكثير.

تحديد الوسائل

هناك مسارات عمل محتملة عديدة لتحقيق الأهداف التي يقع عليها الاختيار. ولحماية السكان، على سبيل المثال، يمكن للأطراف المتدخلة أن تُنشئ "مناطق آمنة" على حدود سوريا. وبدلاً من ذلك، يمكنهم إنشاء ملاذ آمن داخل سوريا، رغم أن هذا الخيار سوف يحمي عدداً صغيراً نسبياً من المشردين أو المعرضين للخطر – إلا أن المعارضة، رغم اتساع نطاقها، لا تستحوذ على أي مناطق كبيرة. وهذا مختلف جداً عن الوضع في ليبيا، حيث تم إنشاء معاقل كبيرة للمتمردين عند اندلاع القتال وتم الاحتفاظ بها بشكل كبير على مدار الحرب، وهو ما كان عاملاً حيوياً في النتيجة.

فقوات المقاومة السورية بدائية فقط عند هذه المرحلة، لكن يبدو أن لديهم على الأقل بعض القدرات للبناء عليها. ولإعطائهم وسائل أفضل لمقاومة النظام، تستطيع الدول المتدخلة توفير مقاومة عسكرية سرية في شكل أسلحة وتدريب وإرشادات. ثم بدلاً من مواجهة المدنيين غير المسلحين الذين قد يتم قتلهم بدون عقاب، قد تواجه قوات الأسد احتمالات متزايدة من المصادمات مع الخصوم المسلحين. وسوف يؤدي هذا المنهج إلى زيادة تكلفة الإجراءات العسكرية على النظام، وسوف يؤدي هذا إلى زعزعة قواته نفسياً وربما يعجل من معدل الانشقاقات عن الجيش.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن الجمع بين فرض مناطق "حظر الطيران" و"حظر القيادة" و"حظر إطلاق النار" على سوريا لتقييد العمليات العسكرية للنظام. وكما هو الحال في ليبيا، سوف يُحد هذا من قدرة الأسد على إجراء عمليات هجومية ضد السكان.

إن جهود الإطاحة بالنظام سوف تمثل مسار العمل الأكثر طموحاً وتعقيداً. وفي ليبيا، فإن عمليات الناتو "لحماية السكان" سهلت في النهاية من سقوط النظام، لذا فإن جهود الحماية في سوريا قد يكون لها تأثير مماثل.

إن تنفيذ أي من المناهج الواردة أعلاه سوف يتطلب توفير الموارد. والمزيج الفعلي للقوات سوف يعتمد على المسار الذي يتم اختياره. وربما يلزم توفير قدر محدود من الموارد إذا اقتصر التدخل على توفير المساعدات العسكرية؛ لكن سوف يلزم توفير قوات أكبر بكثير لفرض قيود على الإجراءات العسكرية للنظام أو دعم تغيير النظام.

تقييم المخاطر

ينطوي التدخل على مخاطر جوهرية. وفي الحالة السورية، تشمل المخاطر المحتملة وقوع خسائر بين صفوف القوات المتدخلة والشعب السوري؛ أو التصعيد المحتمل للموقف للدخول في حرب أهلية أو الصراع مع الدول المجاورة؛ أو احتمالية أن تصبح الدول المتدخلة مسؤولية كلية عن مسار النزاع ونتائجه.

بيد أن عدم التدخل ينطوي على مخاطر أيضاً. فمن المحتمل أن يزداد العنف ضد الشعب، مثلما حدث في ليبيا قبل التدخل. كما أن النظام قد يفقد أعصابه داخلياً وخارجياً إذا رأى أنه معرض للخطر بسبب الضغوط الداخلية. كما أن الوضع الحالي قد يتحول إلى حرب استنزاف بدون مدة أو نتيجة واضحة. وربما يكون السيناريو الأسوأ على الإطلاق هو أن يفوز النظام بسحقه للمعارضة.

عملية التدخل

أثبتت الحالة الليبية أن التدخل ليس بسيطاً أو أنه مساراً طولياً. كما أن هناك عوامل عديدة تدفعه، أحياناً في اتجاهات لا يمكن التنبؤ بها. إن ردود النظام تطورت في مواجهة المعارضة الداخلية والخارجية، وقد تتحول مهمة التدخل نفسها قبل أن تنتهي. إن الإجراء العسكري الخارجي، حتى في أضيق الحدود، قد يُشجِّع ويُمكِّن المتمردين المسلحين على زيادة الهجمات على قوات النظام، ويؤدي إلى مزيد من الانشقاقات. كما قد يحدث استنزاف، لكل من النظام والمتمردين بكل تأكيد، ويحتمل للقوات المتدخلة كذلك. ورغم أن ليبيا لم تشهد إراقة دماء فعلية للناتو، إلا أن التدخل في سوريا قد يؤدي إلى ذلك.

وإيجازاً، لن يسير التدخل بشكل دقيق وفق الخطة. سوف يترتب على العمليات العديدة بشكل ضروري حالات طارئة تمثل تحديات للأطراف المتدخلة. وقد ينفِّذ النظام تهديداته بالانتقام، سواء ضد الشعب أو القوات المتدخلة أو حتى أراضيه. وقد يتصاعد النزاع داخل سوريا وخارجها. على سبيل المثال، هددت دمشق بالفعل بالهجوم على إسرائيل في حالة مهاجمتها من الخارج. وحتى الديناميكيات العادية للعمليات العسكرية – بما في ذلك الاشتباكات والتعقب والخطأ البشري – قد تدفع الأحداث في اتجاهات غير مرغوبة.

دروس تحذيرية من ليبيا

تشير الحالة الليبية إلى أن التدخل العسكري المحدود قد يحمي السكان ويساعد على الإطاحة بنظام لا يُحتَمل. كما أنه يظهر أن مخاطر مثل ذلك التدخل يمكن الإبقاء عليها عند مستوى مقبول، على الأقل في ظل بعض الظروف.

إلا أن ليبيا توفر كذلك بعض الدروس السلبية. فالتدخل المحدود يعني تأثيراً محدوداً على الأرض وعلى النتيجة. فمنذ البداية إلى النهاية، كان للمعارضة الليبية على الأقل نفس تأثير تدخل الناتو على تطور الأحداث.

وبالإضافة إلى ذلك، تشير الحالة الليبية إلى أن أي تدخل في سوريا قد يطول مداه. فالنظام المحصَّن هو خصم قوي: لقد حاربت قوات معمر القذافي ببعض المهارة والعزيمة الفعلية، وتحملت سبعة أشهر من عمليات الناتو إلى جانب جهود هائلة ومتزايدة من جانب المتمردين قبل الاستسلام. ولا يبدو أن الوضع في سوريا سيكون أكثر سهولة.

كما أن ليبيا تقدم رسالة تذكير بأن المعارضة السورية معقدة وقد تثبت صعوبة التعامل معها. فتكوينها ودوافعها ونواياها وقدراتها لن تكون أموراً واضحة كلية على الإطلاق، ومن المرجح أن تتغير على مسار التدخل.

الخاتمة

سوف يستمر تطور الوضع في سوريا مع التدخل العسكري أو بدونه، ويجب أن يكون من يدرسون ذلك الإجراء مستعدين للتعامل مع الشكوك المصاحبة. إن تأثير العقوبات وتماسك النظام وطبيعة المعارضة ومرونتها مسائل لا يمكن أن يقررها سوى مرور الوقت. وحتماً سوف تنشأ مخاوف بشأن كيفية وأسباب وظروف دعم عناصر المعارضة المسلحة وغير المسلحة. إلا أن الانتظار حتى تتضح الأمور بشكل كامل قبل تقرير التدخل قد يؤدي إلى الشلل.

ومما لا شك فيه أن التدخل العسكري في سوريا على أي نطاق كبير قد يكون مساراً معقداً وصعباً ينطوي على بعض المخاطر. لكن عدم التدخل في مواجهة العنف والطبيعة القمعية اللذين كشف عنهما النظام الآن بشكل كامل سوف ينطوي على مخاطر أيضاً، ويرجح أن تكون له تبعات عكسية. وعلى أي حال يجب على الولايات المتحدة وحلفائها بدء مناقشة المسألة علانية الآن – وسوف تبعث المناقشة القوية في حد ذاتها برسالة هامة إلى النظام.

 

جيفري وايت زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.