أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2002

كيف سيستخدم الأسد الأسلحة الكيميائية؟

جيفري وايت

متاح أيضاً في English

4 كانون الأول/ديسمبر 2012


كشفت المخابرات الأمريكية وجود نشاط متزايد في مخازن الأسلحة الكيميائية السورية، مما يثير المخاوف من احتمال استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ضد المعارضة. وبالرغم من أن هذا الإجراء لن يُتخذ على ما يبدو إلا في الحالات القصوى، إلا أن بشار الأسد وزمرته يقتربون من ذلك الوضع بالغ الخطورة. ونظراً لقلة اكتراث النظام بما ألحقه بالفعل من خسائر وللأهمية التي يوليها على بقائه قبل أي شيء آخر، يتعين على الولايات المتحدة الاستعداذ للاحتمال المتزايد باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

لماذا الآن؟

بعد مرور عشرين شهراً على الحرب الداخلية يمر النظام السوري بموقف عسكري صعب على نحو متزايد. ففي نوفمبر/تشرين الثاني تكبد النظام انشقاقات موجعة وعانى كثيراً من نتائج عكسية، حيث خسر أراضي ومواقع وقوات ومعدات بل وحتى طائرات مقاتلة. ويبدو أن قدرة قواته القتالية آخذة في التناقص، كما أن كفاءة تكتيكاته القياسية من حيث قصف وضرب مناطق المعارضة - والمدنية منها في المقام الأول - أصبحت أقل فعالية بل أكثر تكلفة بسبب النيران المضادة للطائرات التي يستخدمها الثوار إلى جانب تكتيكات أخرى. ونتيجة لذلك، كان لزاماً أن يزداد الضغط داخل النظام من أجل اتخاذ إجراءات مختلفة وأكثر فاعلية - وهوالنمط الذي اتبعته دمشق منذ ظهور المعارضة المسلحة في صيف 2011.

ترسانة النظام الكيميائية

يُعرف عن سوريا بأنها تمتلك قدرة لا يُستهان بها من الأسلحة الكيميائية. وقد تردد أن مخزونها الكبير يتضمن غاز الأعصاب ("السارين") وربما غاز "في اكس"؛ هذا إلى جانب غاز "الخردل" الذي هو مادة منفطة [أي تتسبب في ظهور بثرات أو فقاقيع]. وتشمل وسائل حمل هذه الأسلحة قنابل الإسقاط الجوي والصواريخ (على سبيل المثال، صواريخ سكود)، وكذلك القذائف والصواريخ المدفعية.

والجيش السوري مدرب على استخدام هذه الأسلحة ويمتلك العقيدة القتالية والقوات والذخائر التي تمكنه من شن مثل هذه الهجمات. ويمكن لهذه القوات أن تصل إلى أي مكان في البلاد، وليس لدى "الجيش السوري الحر" المعارض سوى أقل القليل ليفعله للتصدي لها. ودون وجود تحذيرات استخباراتية من مصادر خارجية فسوف يزداد الضرر الواقع على المقاتلين الثوار والمدنيين من الهجمات الكيميائية المفاجئة، مما يزيد من احتمالات وقوع إصابات كبيرة.

سيناريوهات الأسلحة الكيميائية

بإمكان النظام استخدام الأسلحة الكيميائية بطرق شتى، بدءاً من شن هجمات محدودة أو استعراضية وانتهاءاً باستخدام هجومي أو دفاعي واسع النطاق لقلب الوضع العسكري رأساً على عقب. وتفيد التقارير الواردة في الوقت الراهن بأن النظام يقوم بالتسلح بكميات قليلة نسبياً من المواد مما يشير بوقوع الاحتمال الأول. وفي هذا الصدد، بإمكان السيطرة بشكل أفضل على الاستخدام المحدود للأسلحة الكيميائية من حيث الآثار والوضوح. وقد يستسهل النظام تبرير الهجمات ضيقة النطاق باعتبارها تعامل مع "الإرهابيين" أو أنها رداً له ما يبرره بسبب الوضع العسكري والتهديد المحدق بالبلاد.

وقد يكون إحدى أشكال الهجمات المحدودة هو توجيه ضربة ضد هدف عسكري محدد بهدف التأثير على أحد الأوضاع المحلية التكتيكية بل المهمة. ومثل هذا الهجوم سوف يُظهِر أيضاً أن النظام كان مستعداً لتنفيذ مثل هذه الأعمال وراغباً وقادراً على القيام بها.

وبإمكان النظام أيضاً شن هجمات ضيقة النطاق على أهداف مدنية لترويع السكان أو معاقبتهم على ما يقدموه من دعم للثوار. وسوف يكون ذلك تصعيداً عن الخط الثابت الذي دأب عليه النظام والذي تمثل باستخدام المتفجرات والأسلحة الحارقة ضد المدنيين ويمكن أن يؤدي إلى وقوع أعداد كبيرة جداً من الضحايا. ولا غرو أنه سيكون لذلك وقع نفسي عميق على شعب لا حول له ولا قوة.

أما بالنسبة لاستخدام الأسلحة الكيميائية بشكل أوسع، فبإمكان النظام توظيف مثل هذه الأسلحة لدعم الهجمات البرية في المناطق الرئيسية التي قصرت أيدي قواته عن تحقيق النجاح فيها باستخدام التكتيكات التقليدية (على سبيل المثال، حول معرة النعمان في محافظة إدلب، وفي مدينة حلب وحولها، وفي محافظة دير الزور، وربما قرب البوكمال أو الميادين). ويمكنه أن يستخدمها كذلك في دعم العمليات الدفاعية في الأماكن التي تقف فيها قوات الثوار على خط الهجوم (على سبيل المثال، محافظة الرقة البعيدة نسبياً) أو عند محاصرة القوات النظامية (كما حدث في قاعدة الفوج 46 بالقرب من الأتارب في محافظة حلب وقاعدة نيران المدفعية في الميادين؛ وفي كلتا الحالتين سقطت المواقع في يد الثوار بعد حصار مطول وهجوم نهائي). إن استخدام النظام للأسلحة الكيميائية على مقربة من قواته سوف يشكل خطراً، ولكن لدى الجيش بعض المعدات الخاصة بالدفاع الكيميائي وحصل على التدريبات المتعلقة بذلك، وقد يكون قادراً على توفير قدر من الحماية.

بإمكان النظام أيضاً استخدام أسلحة كيميائية ذات تأثير دائم لحرمان الوصول إلى بعض المناطق من خلال ضرب خطوط الاتصال والملاجئ ومخازن الغذاء والدواء، لمنع الثوار والمدنيين من استخدامها. وأخيراً، قد يقرر القادة العسكريون المحليون الذين يقاتلون بشكل مستقل عن الحكومة استخدام الأسلحة الكيميائية وفق تقديراتهم الخاصة بدافع أخذ الثأر أو الإحباط أو الخوف وما إلى ذلك. وبالطبع يعتمد هذا على إمكانية الوصول إلى مستودعات الذخائر ووسائل حمل الأسلحة، إلا أن هذا الاستخدام وارد في الأحوال التي تكون فيها الوحدات معزولة أو التي تكون فيها حلقة التسلسل القيادي مقطوعة.

القيود التي يواجهها النظام

لسوء الحظ، ربما يكون الأسد قد استوعب درساً سيئاً من سجل المجتمع الدولي حتى هذا الوقت فيما يتعلق بالتبعات المحتملة لاستخدام الأسلحة الكيميائية. فقد أفلت النظام إلى حد كبير من التصعيد الكبير لأعمال العنف التي قام بها طوال فترة الحرب - بما في ذلك استخدام المدفعية الميدانية ضد المدنيين وقصف جوي للمراكز السكانية واستخدام ممنهج للقنابل العنقودية - فاستنتجت دمشق على ما يبدو أنه كلما زادت المخاطر فلن تواجه سوى تداعيات حقيقية قليلة. وبالتالي فقد تعتقد أنه يمكنها الإفلات من استخدام محدود للأسلحة الكيميائية.

ومن الناحية النظرية، هناك العديد من القيود السياسية التي قد تحول دون سلوك النظام مثل هذا المسار، ومنها احتمال حدوث شرخ لا يمكن إصلاحه بينه وبين جميع السكان السنة في البلاد، وتمزق محتمل في العلاقات مع الصين وروسيا، وحرج كبير لحليفيه إيران و «حزب الله». والأهم من ذلك، إن استخدام الأسلحة الكيميائية قد يحشد الغرب والدول العربية السنية إلى التدخل المباشر في هذه الصراع الأمر الذي يختم مصير النظام. بالإضافة إلى ذلك، إن جميع المتورطين في إصدار أمر القيام بالهجمات الكيميائية وتنفيذها سيقعون تحت خطر عقوبة قضائية دولية - وهو احتمال قد يستحث بعض أفراد النظام إلى القيام بانقلاب عسكري. وفي النهاية، يتعين على النظام أن يتعامل مع الكارثة الشاملة التي ستحل في علاقاته العامة بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية.

وهناك أيضاً قيوداً عسكرية. فالأسلحة الكيميائية ليست كغيرها من الأجهزة التي تُخرج من المخزن ثم تُطلق - لأنه يتعين على قوات النظام مراعاة المسائل المتعلقة بالدقة والموثوقية والعوامل الجوية (الرياح والرطوبة ودرجة الحرارة) واختيار المواد (المستديمة مقابل غير المستديمة) والمسائل المتعلقة بإدارة التبعات (معالجة المصابين وحماية القوات وإزالة التلوث).

الآثار المترتبة على استخدام الأسلحة الكيميائية

إذا ما قرر النظام استخدام الأسلحة الكيميائية، فقد يكون لذلك أثر بالغ على الوضع العسكري. فليس بيد الثوار أية وسيلة للحماية من الأسلحة الكيميائية ولم يتلقوا أي تدريب للتعامل مع هذه الأسلحة؛ فبالكاد لديهم خبرة في مواجهة الآثار الناجمة عن مواد مكافحة الشغب والدخان. فلن يكونوا محصصين وسيلحق بهم الضرر إلى حد كبير، وقد يحقق النظام مكاسب تكتيكية أو أخرى أكثر اتساعاً.

أما من الناحية السياسية، فقد يؤدي استخدام الأسلحة الكيميائية إلى إضعاف المعارضة وتقويض كافة الروابط الهامة القائمة بين السكان المدنيين والثوار المسلحين. وسوف تتوقف خطورة هذا التدهور على مرونة الشعب الذي أثبت حتى الآن صموده في وجه جميع هجمات النظام.

وسوف تكون هناك أيضاً تبعات إنسانية بما في ذلك تدفقات محتملة من اللاجئين من المناطق المتضررة والحاجة لمعالجة المصابين ومتطلبات إزالة التلوث. وسيتم اختبار قدرة المنظمات غير الحكومية والجماعات الإنسانية على الاستمرار في عملياتها في ظل هذه الأوضاع.

الخاتمة

في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، كرر الرئيس أوباما القول بأن الولايات المتحدة لن تقبل استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، وستكون هناك تبعات لاستخدام كهذا. وعلى الرغم من إصدار واشنطن تحذيرات مماثلة في الماضي، إلا أن الوضع قد تغير، حيث يتعين على الإدارة الاستعداد لاختبار [صدقية] تصريحاتها. إن استخدام الأسلحة الكيميائية ليس خياراً مؤكداً على الإطلاق، إلا أن احتمال حدوثه قد ارتفع بشكل كبير وسوف يزداد كلما دنت ساعة سقوط النظام.

يتطلب التمسك بتصريحات الولايات المتحدة قيام استعداد من قبلها لإرسال قوات مسلحة للقضاء على القدرة الكيميائية السورية ومعاقبة النظام وقواته لاستخدامهم هذه الأسلحة. وهذا يعني تخصيص مواقع عسكرية أو إعدادها للقيام بإجراءات سريعة وبقوة ساحقة والتعامل مع طبيعة البيئة بعد الهجوم. وهذا لا يعني الاعتماد على الدبلوماسية لكونها الرد الوحيد أو الرئيسي على هذا الحدث. إن عدم الرد بالقوة على أي استخدام للأسلحة الكيميائية سوف يكون وبالاً، حيث سيرى النظام ذلك كضوء أخضر لشن المزيد من الهجمات، بينما ستجده المعارضة تخلياً تاماً عنها.

 

جيفري وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن وضابط كبير سابق لشؤون الاستخبارات الدفاعية.