أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

A Free Syrian Army soldier

المرصد السياسي 1992

كيفية تقييم الحلفاء المحتملين في سوريا

أندرو جيه. تابلر و جيفري وايت

متاح أيضاً في English

22 تشرين الأول/أكتوبر 2012


يُعد تحديد أهلية عناصر المعارضة المسلحة كمستفيدين محتملين لتلقي المساعدات العسكرية أمراً معقداً ويمثل تحدياً كبيراً. وهذه المجموعات كثيرة في سوريا وتتطور بسرعة كبيرة إضافة إلى شدة تنوعها الأيديولوجي. ومع ذلك فهي ليست لغزاً لا يمكن حله، فبعضها يتألف من أناس فاعلين لهم باع طويل في الثورة ويضعون أيديهم حالياً على مناطق هامة في البلاد أو يناضلون لأجل ذلك، كما أن عدداً من قادة "الجيش السوري الحر" هم من الشخصيات العامة ويسهل الاتصال بهم بصورة نسبية. ويعتبر تقييم هذه العناصر الفاعلة شرطاً ضرورياً لتقديم الدعم العسكري، على أساس التسليم بأنه لا ينبغي لجميع العناصر المسلحة تلقّي المساعدات وأن بعض الوحدات هي أجدر من غيرها في تلقي الدعم.

وعلاوة على ذلك يجب أن لا يجرى التقييم من حيث النتائج الحاصلة على أرض المعركة فحسب بل يجب إيلاء الاعتبار بصورة متساوية للأدوار التي ستلعبها الوحدات المسلحة بعد سقوط النظام. وبالنظر إلى الطبيعة المتشعبة للمعارضة السورية حتى يومنا هذا وعدم وجود تدخل غربي في لدعم الحركة الاحتجاجية فإن هؤلاء الذين يقفون الآن في مواجهة بشار الأسد على أرض الواقع هم في الغالب من سيتقلد الدور الإداري بعد هزيمة النظام.

معايير سياسية

لا يمكن أن تضع الولايات المتحدة نفسها في موقع المقدم للدعم لوحدات لا تشاركها قيمها وأهدافها العامة بالنسبة لسوريا وبقية المنطقة، ومن هذا المنطلق يتضح عدد من المعايير السياسية للمرشحين المحتملين لتلقي المساعدات:

·         الموقع على الطيف الإسلامي-العلماني: أبدى العديد من قادة المعارضة قلقهم بشأن دور المتطرفين وخاصة المتأثرين منهم بـ تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات التي تنتهج أيديولوجيات غير سورية وأجنبية. على الولايات المتحدة أن تستغل هذا القلق على أفضل وجه. وحتى الآن، يبدو أن هناك ارتياح كبير في واشنطن بالتعامل مع النشطاء السوريين الليبراليين والعلمانيين إلا أن احتكاكها بالجماعات المسلحة يقل بكثير عن احتكاكها بالحركة الاحتجاجية. وإذا كانت واشنطن تريد أن تحظى بموقع مؤثر لدى الوحدات المسلحة العاملة في جميع أنحاء سوريا فعليها أن تحسن من أدائها في تصنيف توجهات تلك الوحدات - من خلال تحديد من هم القادة الذين يعتبرون من وجوه العلمانية الذين جاءوا عن طريق نظام البعث أو هم من المسلمين المحافظين من جهة، ومن هم أولئك السلفيين وغيرهم من المتطرفين من جهة أخرى، ومن ثم تنشئ علاقات مع القطاع الأول.

·         الموقف من المستقبل السياسي لسوريا: بمجرد سقوط النظام ينبغي تقوية الثورة عن طريق النخب وعامة الشعب عن طريق الانتخابات، وليس فقط من خلال قيام اجتماعات بين مسلحين. لذا يتعين على واشنطن أن تدعم القادة الذي أعلنوا التزامهم بالتعددية واحترام الأقليات (بمن فيهم الأكراد) ووضع جدول زمني للانتخابات، وهذا يعني الوصول إلى نتيجة لا يستبدل فيها طغيان الأسد بطغيان الأغلبية.

·         العلاقة مع المدنيين: بالرغم من احتمال تولي الجماعات المسلحة الإدارة بعد رحيل الأسد إلا أنها ليست الوحيدة التي تمثل المعارضة. على الولايات المتحدة أن توجه مساعدتها للوحدات التي لها علاقات قوية مع العناصر الفاعلة المدنية المحلية البارزة القادرة على قيادة مجتمعاتها. إذ أن أي عنصر مسلح يتلقى مساعدة من الولايات المتحدة يجب أن تكون له علاقة مع جماعة سياسية تحظى بالثقة داخل سوريا (حتى ولو على الصعيد المحلي فقط) كما لا ينبغي أن يعادي مصالح الولايات المتحدة. ومن ثم فلا بد وأن يكون لدى واشنطن سجل بتفاعلات القادة مع المدنيين لكي تقرر مدى أهليتهم لتلقي المساعدات.

·         منع تمويل المتطرفين: تتلقى جماعات عديدة في سوريا مساعدات من أفراد وكيانات خاصة في المنطقة تعارض مصالح الولايات المتحدة. لذا فعلى واشنطن أن تتجنب تقديم الدعم للجماعات التي ينهمر عليها الدعم من العناصر الإسلامية المتطرفة بل وأن تطلب من الوحدات التي تقوم بالفعل بدعمها أن تستبعد المساعدات القادمة من مصادر إقليمية لها صلة بالتطرف.

·         الموقف من الولايات المتحدة والغرب: ينبغي ألا تقدم الولايات المتحدة دعماً لعناصر المعارضة المسلحة المجاهرة بأيديولوجيات أو أهداف تعادي أمريكا والغرب.

·         التجنيد أو التسريح عقب فترة الانتقال: سوف يلزم ضم الجماعات المسلحة في جيش/قوات شرطة وطنية أو أن ينزع سلاحها ويتم حلها من أجل ضمان نظام مدني بعد رحيل الأسد، ولا بد أن يتوقف الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة على التزام الوحدات بالانضمام إلى أي قوات وطنية تحل محل جيش النظام وأجهزته الأمنية. 

·         الالتزام بوحدة الأراضي السورية: تشير ديناميكية الثورة في الوقت الحالي إلى وجود خطر متزايد لدولة تتشعب إلى بقايا نظام ومعاقل طائفية وعرقية وإقطاعيات لقادة الحرب. وليس للولايات المتحدة مصلحة في أن يؤول الأمر إلى قيام نظام الأسد بإقامة بقايا لدولة علوية يمكن لإيران وحلفائها أن يعملوا منها. وللمساعدة على ضمان انهيار النظام بشكل كامل يجب على واشنطن أن تطلب من الجماعات المسلحة الالتزام بوحدة الأراضي السورية على المدى القريب والبعيد.

·         الرغبة في اتباع قواعد الحرب ومراعاة حقوق الإنسان: جعل نظام الأسد كلمة سوريا مرادفة لانتهاك حقوق الإنسان والأعمال الوحشية، ويجب أن ينتهي هذا مع رحيل الأسد. وبالرغم من صعوبة ذلك إلا أنه يتعين على وحدات المعارضة أن تتخذ المسار الصحيح في الصراع بأن تتبع قواعد الحرب وأن تحجم الانتهاكات بأقصى قدر ممكن. وهذا لن يساعدها فقط في التواصل مع الشعب وفي التعجيل برحيل الأسد بل وسوف يضع قاعدة جديدة للقياس في سوريا ما بعد الأسد.

معايير عسكرية

إن تلبية متطلبات الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار السياسي هي شرطاً ضرورياً لكنه غير كاف بالنسبة للدعم العسكري؛ حيث يتعين أيضاً أن تكون عناصر المعارضة المسلحة فعالة من الناحية العسكرية. وفيما يلي عدة معايير عسكرية يمكن أن تقاس من خلالها الوحدات المرشحة لتلقي الدعم، وهذه القواعد متصلة فيما بينها لكنها ليست مطلقة. وسوف يكون لدى كل مجموعة خليط من نقاط القوة ونقاط الضعف - إذ أن الوحدات المقاتلة تكون دائماً أكثر (أو أقل) من مجموع أجزائها؛ كما أن الصورة الإجمالية للوحدة  تعتبر أهم بكثير من تصنيفها وفق أي معيار خاص.

·         سجل المواجهة. ينبغي أن يكون لدى الوحدات التي تتلقى دعم الولايات المتحدة سجل بالأداء الحقيقي في الميدان، والأطول باعاً هو أيضاً الأفضل أداءً. ولتقييم هذا الأداء ينبغي أن تحدد واشنطن عدد ونوع الأعمال التي اشتركت فيها هذه الوحدات، فضلاً عن فعاليتها من حيث الخسائر التي أحدثتها في قوات النظام.

·         سمات القيادة والأفراد. يجب أيضاً تقييم الوحدات على أساس الصفات القيادية والمهارات العسكرية التي يتحلى بها القادة فضلاً عن كفاءة الأفراد. ومن المرجح أن يحصل الأفراد الذين يتمتعون بخلفية عسكرية على أعلى الدرجات استناداً إلى هذا الأساس، ولكن المدنيون الذين حملوا الأسلحة قد يتسمون أيضاً بقدر من الفعالية.

·         الانضباط والترابط. تمثل هاتان الصفتان أهمية بالغة فيما يتعلق بالأداء طويل الأمد لأي عنصر من عناصر القتال. كما يجب على الوحدات التابعة وكذلك الأفراد اتباع الأوامر والتحلي بالقدرة على إنجاز المهام المسندة إليهم فضلاً عن تحمل ضغوط القتال لفترات طويلة.

·         عدد الأفراد والوحدات التابعة. بشكل عام، كلما كان العدد أكبر كان الوضع أفضل عندما يتعلق الأمر بتقييم قدرة المجموعة على التأثير على الوضع العسكري.  يتعيّن على الوحدة التي تتألف من 500 فرد وخمسة عناصر تابعة أن تتحلى بالقدرة على إحكام سيطرتها على مساحة أكبر وإلحاق مزيد من الأضرار في قوات النظام أكثر مما تتمكن منه وحدة واحدة مكوّنة من 100 رجل.

·         كمية الأسلحة وأنواعها وجودتها. تؤثر أسلحة الوحدة على قدرتها على السيطرة على مساحات أكبر وإلحاق مزيد من الأضرار. ومن المرجح أن تكون الوحدات المسلحة بمزيد من الأسلحة وخاصة الثقيلة منها أكثر قدرة على إحداث الأضرار وفرض السيطرة من تلك الوحدات التي تحظى بأسلحة أقل عدداً وأخف وزناً.

·         قوة التحمل. ينبغي أن تكون الوحدات المرشحة قد أظهرت بعض القدرة على التحمل وإعالة النفس بمرور الوقت، بما في ذلك حيازة الأسلحة والذخائر واستيعابها، ورعاية الأفراد (السكن والملبس والمأكل) وتقديم العلاج الطبي للمصابين.

·         قدرات وأنماط تجنيد الأفراد. تتكبد الوحدات القتالية خسائر عدة أثناء خوضها العمليات القتالية، لذا يجب عليها التحلي بالقدرة على استبدال كل من الأفراد والقادة. وتعتبر الوحدات التي أظهرت القدرة على ذلك من أفضل الوحدات المرشحة للحصول على المساعدة. كما تمثل طبيعة الأفراد البدلاء أهمية بالغة أيضاً- إذ يُعد تجنيد أفراد من عناصر علمانية أو إسلامية معتدلة بالمجتمع السوري مقبولاً، إلا أن تجنيد أفراد من الفصائل الإسلامية المتطرفة هو أمر غير مقبول.

·         التعاون مع الوحدات الأخرى. تستحق الوحدة أن تقع ضمن أفضل الوحدات المرشحة للحصول على المساعدة العسكرية إذا ما نسقت أنشطتها مع الوحدات الأخرى. ويؤدي القيام بذلك الأمر إلى منحها تأثيراً أكبر على الوضع العسكري فضلاً عن أنه يشير إلى رؤية أكثر شمولية للحرب من تلك الرؤية التي تقودها المخاوف الداخلية على نحو صارم.

·         منطقة العمليات ونطاقها. يمكن أن تؤثر الوحدات التي تخوض عمليات قتالية في المدن أو الأقاليم الرئيسية بشكل أكبر على الوضع عن تلك الوحدات القابعة في المناطق النائية أو الأقل أهمية. كما أن دعم الوحدات المقاتلة في المدن الرئيسية سيسمح لواشنطن بحصد ثمار ما زرعته وأكثر. وبالمثل، ستكون الوحدات التي تدير عمليات في مناطق محددة بشكل ضيق أقل تأثيراً على عمليات القتال والانتقال عن تلك الوحدات الكائنة في مناطق عمليات أوسع نطاقاً.

·         أنواع العمليات. يجب أن تكون الوحدات الجيدة المرشحة للحصول على المساعدة قد أظهرت قدرتها على إجراء مجموعة متنوعة من العمليات الهجومية والدفاعية فضلاً عن القيام بالشؤون المدنية. كما سيكون للوحدات المقصورة على العمليات الدفاعية تأثير محلي فقط. ومن الأفضل توجيه المساعدة إلى العناصر التي توفر أمناً محلياً للمناطق الواقعة تحت سيطرتها والتي تقدم المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين بجانب العمل على إنشاء سلطة سياسية مدنية.

·         الاستعداد والقدرة على حماية الأسلحة. تمثل عملية تزويد المعارضة السورية المسلحة بالأسلحة مسألة شديدة الحساسية؛ إذ يجب على واشنطن الحصول على ضمانات بعدم إقدام تلك الوحدات على تمرير هذه الأسلحة إلى عناصر تنظر إليها الولايات المتحدة على أنها مريبة. كما أن قدرة الوحدة على حماية ترسانتها ومراقبتها يجب أخذها في عين الاعتبار. وهذا يعني وضع وتنفيذ وسائل لتعقب الأسلحة واستخدام الذخيرة.

الخاتمة

بشكل عام، يجب على الوحدات السورية المرشحة للحصول على المساعدة الأمريكية أن تلائم احتياجات الولايات المتحدة السياسية وأن تتسم بالفعالية العسكرية أو تتحلى بالقدرة على القيام بذلك. هذا وتُعد إقامة اتصالات أكثر عمقاً مع عناصر المعارضة المسلحة أمراً يقع ضمن قدرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية وغيرها من أجهزة الاستخبارات والقوات الخاصة والدبلوماسيين. ولكن المهمة ليست سهلة -- حيث تتطلب تقييماً مهنياً على المستوى السياسي والعسكري بالإضافة إلى بعض المخاطرة. وبالنظر إلى تعقيد المهمة وصعوبتها، فإن الأخطاء واردة، ومن المرجح أن يكون بعض الحلفاء مخيبين للآمال. غير أن بعض العناصر الأخرى ستكون مفيدة ويجب البحث عنها وتقييمها ومساعدتها.

 

أندرو جيه. تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. جيفري وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في المعهد وضابط كبير سابق لشؤون الاستخبارات الدفاعية.