صفحات رأي ومقالات
ساعدوا تونس أولاً
متاح أيضاً في English
فورين بوليسي.كوم
24 شباط/ فبراير 2011
فور وصول المرء إلى المطار في تونس، سيجد صعوبة في الاعتقاد بأن ثورة قد حدثت هنا منذ أكثر من شهر فقط. فكل شيء يسير تماماً كما ينبغي، حيث تُختم جوازات السفر وتُحزم الحقائب ويلوح مسؤولو الجمارك للزائرين بالتحية. إن الاختلاف الوحيد هو أنهم يبتسمون لكنهم ليسوا الوحيدين: فعندما دخلتُ صالة الوصول مع بقية من كانوا معي في نفس الرحلة، هللت عائلات تونسية كبيرة بفرح وسالت الدموع على وجوههم وهم يرحبون بأفراد أسرهم الذين عادوا إلى الوطن بعد غياب طويل في المنفى.
لقد استعاد التونسيون بلدهم في 14 كانون الثاني/يناير، عندما أُجبر الرئيس المستبد زين العابدين بن علي [على التنحي ومغادرة البلاد] إلى المنفى بفضل الانتفاضة الشعبية الكاسحة، ويشرعون الآن في مهمة صعبة وهي بناء أول نظام ديمقراطي نيابي حقيقي في الأراضي العربية. [وعند كتابة هذه السطور كان] يترأس الحكومة المؤقتة رئيس وزراء بن علي السابق [محمد الغنوشي، الذي استقال من منصبه في السابع والعشرين من شباط/فبراير]، لكنها تشمل مشاركة حقيقية من المعارضة. وتعمل الحكومة على إعداد دستور جديد سينظم قواعد الانتخابات الرئاسية المقرر أجراؤها في خريف هذا العام، تعقبها الانتخابات البرلمانية.
وإذا لم تنجح تونس، فلن يكون بمستطاع أية دولة أخرى في المنطقة النجاح أيضاً. ويعود ذلك إلى أن سكان تونس البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة لا يعانون من انقسامات عرقية أو طائفية تقض مضاجع الكثير من جيرانهم. ويتمتع التونسيون بتعليم جيد ومعظمهم من الطبقة المتوسطة -- حيث يمتلك 80 بالمائة منهم منازلهم الخاصة. ويمارس جميع التونسيين تقريباً نفس النموذج من الإسلام المعتدل. وتنظر الجماهير التونسية إلى أوروبا كمُلهم اقتصادي وسياسي لها. كما أن الصرخة التي جعلها التونسيون مشهورة حول العالم أثناء ثورتهم كانت: "إرحل!" التي نطقوها بالفرنسية لا العربية، وكان لها تأثيرها الكبير.
لكن الأسلوب التجاهلي للرئيس الأمريكي باراك أوباما حول تسهيل انتقال تونس نحو الديمقراطية، إنما يخاطر بتضييع هذه العوامل الإيجابية -- حيث إنه يخذل التونسيين ويساهم في فراغ أمني لا لزوم له في منطقة محتقنة بالفعل. وما لم تُعِد الإدارة الأمريكية ترتيب أولوياتها الآن فمن الممكن أن تخسر فرصة تاريخية لتعويض ثلاثة عقود من السياسة الخاطئة.
لقد كانت الثورة في تونس حتى الآن منضبطة بشكل ملحوظ. فعندما حدثت أعمال السلب فقد استهدفت رموز الفساد المرتبطة بالعائلة الحاكمة. وفي سيدي بوزيد، وهي مدينة سياحية صغيرة خارج تونس العاصمة، مَشيتُ بجانب ثلاثة مقاهي متلاصقة اثنان منها تُركت بالكامل كما هي بلا أذى، لكن الثالثة التي في الوسط والتي كان يملكها عضو في عائلة الطرابلسي بدت كما لو كانت قد تعرضت لهجوم عنيف من الجراد. كما أن بيوت أحد أصهار بن علي قد نُهبت عن بكرة أبيها.
وعندما كنت مسؤولاً في وزارة الخارجية الأمريكية أثناء النظام البائد، سافرت إلى تونس عدة مرات من أجل الضغط على الحكومة للدفاع عن حقوق الإنسان والقيام بإجراء إصلاحات ديمقراطية. بيد، لم تقم الحكومة التونسية بعمل شئ ولم تعطي قط حتى نزراً يسيراً. وعلى الرغم من حقيقة أن مقر المكتب الإقليمي لـ «مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية هو في تونس، إلا أنني لم أستطع تأمين تصريح لـ «المبادرة» أو لأي من مفوضيها بالقيام ببرامج فعلية خاصة بتونس. لقد كانت مقابلة التونسيين تتطلب دعوتهم إلى أنشطة السفارة في مجموعات صغيرة. وإذا ما قرر التونسيون مقابلتك خارج السفارة، كانوا يزيلون البطاريات من هواتفهم المحمولة، ويطلبون منك أن تفعل الشئ نفسه، لتجنب عملاء الحكومة الذي كانوا واثقين بأنهم يتنصتون عليهم. لقد كان خوفهم آنذاك ملموساً لكنه تلاشى الآن.
ويتحدث الناس في تونس اليوم بلا توقف، كما أن برامج الإذاعة تذيع جميع المداخلات، وتفعل ذلك أيضاً معظم القنوات التلفزيونية. وكما عبّر عن ذلك أحد الأشخاص الذي كان أكثر المقربين إلى النظام من معظم الذين تحدثت معهم فقال: "لمدة خمسين عاماً لم ينطقوا بكلمة واحدة، والآن لا يستطيعون أن يصمتوا. يبدو أن البلاد كلها تشارك في جلسة علاج جماعية هائلة -- والناس مولعون بها".
وفي الغالب يتحدث التونسيون عن السياسة والاقتصاد، لكنهم يختلفون حول الحكومة المؤقتة الحالية. فهم يريدونها أن تعمل لكن ليس بصورة شديدة الحسم. فهم لا يريدون أن تُختطف ثورتهم. وكما أخبرني رجل أعمال، "ما نحتاج إليه ليس هو الوضوح، فقد كان لدينا ما يكفي منه."
إن ما يحتاجون إليه هو خطة لحفظ اقتصادهم من الانحراف كلية عن المسار المقبول. فقد بنى الاقتصاد أساساً قوياً في السنوات العشر الماضية، وينبغي أن يكون قادراً على التعافي من عدم الاستقرار الحالي قصير المدى. وقبل "ثورة الغضب" كان الاقتصاد في حالة جيدة من منظور الاقتصاد الكلي. فقد كان معدل التضخم منخفضا، وكانت لدى البنك المركزي احتياطيات عملة لمدة ثلاثة أشهر، كما أن العجز في الميزانية كنسبة مئوية من "الناتج المحلي الإجمالي" كان ضمن مستويات مقبولة، وكان الاقتصاد ينمو بمعدل خمسة بالمائة سنوياً أو أعلى. وحتى مع الاضطرابات الناجمة عن الثورة ما يزال البنك الدولي يتوقع أن تنمو تونس بنسبة واحد في المائة هذا العام.
ومع ذلك، يقلق العديد من النخب السياسية ورجال الأعمال من المستقبل القريب. فقطاع السياحة الذي يشكل 11 بالمائة من الاقتصاد ويوظف عدداً كبيراً من التونسيين قد تضرر بشدة ولن يتعافى في عام 2011. كما أن ثمة جفافاً مستمراً يهدد بتدمير القطاع الزراعي، وهناك عدد متزايد من إضرابات العمال التي تهدد بشلِّ الاقتصاد بصورة تامة.
وإذا ما انهار الاقتصاد التونسي، فإن كل الرهانات على الانتقال الديمقراطي الناجح ستكون مستبعدة. فسوف تحتاج البلاد إلى مساعدة المجتمع الدولي -- بل إلى الكثير من هذه المساعدات. وقد أخبرني الرئيس الحالي لـ «غرفة التجارة الأمريكية التونسية» منذر بن عياد قائلاً: "سوف نحتاج إلى مليارات في شكل مزيج من القروض والمساعدات، لكن لمدة عامين فقط."
وحتى الآن كان الغرب بطيئاً في استجابته حيث لم تقدم الولايات المتحدة شيئاً. كما أهملت الحكومة الأمريكية إلى الآن المساهمة بمساعدة مادية لمهمة التحول الديمقراطي في تونس مما يضيف إلى الغموض حول النية الأمريكية في تلك البلاد. ويقف ذلك في تناقض صارخ مع استجابة الولايات المتحدة للأحداث في مصر، حيث كانت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قد أعلنت الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة سوف تقدم على الفور 150 مليون دولار لتعزيز الديمقراطية.
كما أن "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" كانت بطيئة بشكل خاص ودون المستوى المطلوب. ورغم الدعوة لعقد اجتماع لمناقشة أولويات الطوارئ في أوائل كانون الثاني/يناير، إلا أنه لم تصل بعد أي مساعدات طارئة إلى تونس.
وقد أخبرني عدد من المنظمات الأمريكية غير الحكومية العاملة في تونس بأنها أقد أُبلغت باحتمالية عدم حصولها على أي شيء مطلقاً في عام 2011. كما أن «مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط» "ما تزال تراجع ما يمكنها عمله بالنظر إلى الأولويات الإقليمية الأخرى"، وهذا ما أخبرني به أحد ممثلي «المبادرة» ومقره واشنطن، ومن المفترض أنه يقصد مصر. وفي 22 شباط/فبراير أشارت «المبادرة» إلى "أولوياتها" بنشر طلب سيء التوقيت تتعلق بمقترحات حول التعليم المدني من أجل لمنطقة بأسرها.
وقد تم تأهيل السفارة الأمريكية في تونس بعدد قليل من الموظفين لإدارة علاقة بليدة مع الدكتاتور -- وهو طاقم صغير جداً لكي يستطيع التعامل مع مطالب بلد يتعرض لتغيير جذري. فعلى سبيل المثال، يتكون القسم السياسي برمته من حفنة معدودة من الأشخاص. كما أن طلبات المعلومات المستمرة تقريباً من واشنطن، فضلاً عن استعدادات للقيام بزيارات رفيعة المستوى تعيق طاقم الموظفين الصغير من التحديد النشط للبارزين في تونس الجديدة، ومن ثم بناء علاقات مع هؤلاء الأشخاص. لكن ليس هناك إشارة بأن وزارة الخارجية الأمريكية تخطط لزيادة الموظفين أو الموارد، رغم الحاجة الملحة لذلك.
ينبغي أن تتصرف الحكومة الأمريكية الآن بصورة تقدم فيها الدعم السياسي والاقتصادي الذي تحتاج إليه تونس، سيما وأن لواشنطن مصلحة خاصة في رؤية أول مجتمع عربي يمر بتجربة ثورة شعبية في حقبة ما بعد الاستعمار، وهو يستكمل الانتقال إلى أول نظام ديمقراطي عربي حقيقي. إن فشلاً في تونس سوف يمثل فشلاً للسياسة الأمريكية، وسيعني على الأرجح انقلاباً عسكرياً أو تقوية للقوى الإسلاموية في الدولة. وكما أخبرني رئيس الطائفة اليهودية في تونسن روجر بيسموث: "ليس لدى الأمريكيين خيار سوى دعمنا الآن. يتوجب عليهم ذلك."
إن الانخراط عالي المستوى من قبل صناع السياسة الأمريكيين هو أمر حاسم في هذه المرحلة لطمأنة التونسيين واستعادة الثقة في الخارج. وقد كانت الزيارة التي قام بها عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي جوزيف ليبرمان وجون ماكين في نهاية الأسبوع الماضي مهمة للغاية، لكن ينبغي أيضاً بذل المزيد. يجب أن يقوم أوباما وكلينتون بطمأنة نظرائهما التونسيين بصورة علنية حول الدعم الأمريكي.
وباستطاعة الولايات المتحدة التحرك أيضاً بقوة لتعزيز الاقتصاد التونسي. وينبغي على وزير التجارة الأمريكي غاري لوك أن يرأس وفداً تجارياً يشمل رجال أعمال من قطاع تكنولوجيا المعلومات -- وهو القطاع الحاسم لنجاح انتفاضة تونس -- للمشاركة في مؤتمر نيسان/أبريل الذي يتم التخطيط له الآن من قبل الحكومة المؤقتة. كما ينبغي على "مؤسسة تحدي الألفية" أن تلخص بوضوح الخطوات الضرورية التي تؤهل تونس إلى الدخول إلى هذه المؤسسة، مما سيرسل رسالة قوية إلى الشعب التونسي والأسواق العالمية حول الالتزام الأمريكي طويل المدى نحو انتقال تونس الناجح [نحو التحرر الاقتصادي والاستثمار]. كما ينبغي على ممثل التجارة الأمريكي أن يُظهر استعداده لاستئناف المحادثات التجارية حالما يتم تشكيل حكومة جديدة، مما عسى أن يرفع من إمكانية إقامة مناطق تجارة حرة، تلك التي ساهمت في نمو الصادرات المصرية والأردنية إلى حد كبير.
كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تجعل على الأقل 50 مليون دولار متاحة فوراً لبناء المؤسسات الديمقراطية في تونس. وبالنظر إلى حقيقة أن مقر المكتب الإقليمي لـ «مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط» هو في تونس، ينبغي على «المبادرة» أن تكرس مواردها البشرية الكبيرة ونسبة كبيرة من أموالها المتاحة لهذه المهمة. ويمكنها أن تلعب دوراً قيماً في تطوير استراتيجية سياسية لدعم مصر؛ بيد، يمكن العثور على الأموال الكافية لدعم التحول الديمقراطي في مصر في ميزانية "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية".
إن حجم تونس والأصول الكبيرة تعني أن استثماراً متواضعاً يمكن أن يحقق عوائد ضخمة للشعب التونسي والعلاقات الأمريكية التونسية. وقد قدمت الدولة الشرارة الأولى التي أطلقت جهداً في المنطقة بأسرها للتخلص من عقود من التكلس والاستعاضة عنه بإحساس متجدد بالكرامة الإنسانية. ومع مساعدة قليلة يمكن لتونس أيضاً أن تكون منارة تقتدي بها دول أخرى في الشرق الأوسط، التي تحاول تحويل الانتفاضات الأخيرة إلى حكومات أقوى، لا تقوم على الطغيان وإنما على احترام الحقوق السياسية والمدنية العالمية. ينبغي على الولايات المتحدة أن تبذل قصارى جهدها لمساعدة تونس على هذا الطريق.
ج. سكوت كاربنتر زميل كيستون فاميلي في معهد واشنطن ومدير مشروع فكرة الذي يركز على تمكين الديمقراطيين العرب في نضالهم ضد التطرف.