أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

تنبيه سياسي

يجب على مؤتمر المانحين الخاص بغزة أن يبعث بالرسالة الصحيحة حول «حماس»

نيري زيلبر

متاح أيضاً في English

10 تشرين الأول/أكتوبر 2014


في 12 تشرين الأول/أكتوبر، سوف يجتمع أكثر من خمسين وزير خارجية ودبلوماسيين دوليين رفيعي المستوي في القاهرة لجمع الأموال لإعادة إعمار قطاع غزة. ففي أعقاب الحرب التي دامت شهرين تقريباً بين إسرائيل و «حماس» هذا الصيف، من اللافت أن أياً من الطرفين المتحاربين لن يكون بين الحضور. وعوضاً عنهم، سينضم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى نظرائه من روسيا والصين وأوروبا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا وقطر، والعديد من البلدان الأخرى. والشيء الوحيد الذي يمكن للمجتمع الدولي المنقسم أن يتفق حوله، على ما يبدو، هو أن الفلسطينيين يحتاجون إلى المساعدة المالية ويستحقونها. ومع ذلك، فبالإضافة إلى المبالغ بمليارات الدولارات التي تم التعهد بها، ستكون الحصيلة السياسية أهم نتائج المؤتمر: يتوجب على قمة القاهرة أن تعيد التأكيد بأن مساعدات إعادة الإعمار ورفع كامل للحصار عن غزة تبقى مشروطة بتخلي «حماس» عن السيطرة الفعلية على أراضي القطاع وتسلّم السلطة الفلسطينية إدارة غزة.

تجدر الإشارة إلى أن الطلب الرسمي للمساعدات الذي قدمته السلطة الفلسطينية للمانحين في الأسبوع الماضي يضم مبالغ كبيرة تشمل: أربعة مليارات دولار لأعمال "الإغاثة والإنعاش وإعادة الإعمار" في غزة، و 4.5 مليار دولار أخرى للدعم المباشر لميزانية السلطة الفلسطينية خلال السنوات الثلاث المقبلة. ولكي توضع هذه المبالغ في سياقها التاريخي، تم التعهد بمبلغ 4.7 مليار دولار في مؤتمر المانحين الذي عُقد في مصر بعد حرب غزة عام 2008-2009، منها 1.6 مليار دولار لإعادة إعمار القطاع الساحلي. وكان الطلب الفلسطيني الرسمي في ذلك الحين 2.7 مليار دولار فقط، وبالتالي تجاوز ذلك المؤتمر التوقعات وبدا كأنه حقق نجاحاً - على الأقل من الناحية النظرية. وفي النهاية، لم يتحقق الكثير من المساعدات، ويعود ذلك أساساً إلى استمرار حكم «حماس» في غزة (منذ الانقلاب العنيف الذي أطاح بالسلطة الفلسطينية عام 2007). ومن الناحيتين القانونية والسياسية، كان من المستحيل بالنسبة للعديد من الجهات المانحة التعامل مع منظمة صنفها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأنها داعمة للإرهاب.

بيد، ستكون المبالغ التي سيتم التعهد بها هذه المرة مهمة فقط بقدر ما ستشير إلى وجود اهتمام دولي دائم بالقضية الفلسطينية. وبعبارة أخرى، في الوقت الذي يوجد فيه العديد من الأزمات الأخرى التي تتنافس للحصول على المساعدات الدولية النادرة، [فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو] هل سيحقق المانحون الهدف [الذي طلبه الفلسطينيون] - أم يتجاوزونه مرة أخرى؟ واستفاضة في هذه النقطة، هل ستترجم فعلاً التعهدات الإسمية - التي أُقِرت تحت الأضواء الساطعة لمؤتمر دولي - إلى عمل ملموس فيما بعد؟

وفي هذا الصدد، يجدر بأولئك الذين سيشاركون في المؤتمر أن يضغطوا على المسؤولين في السلطة الفلسطينية لمعرفة الكيفية التي سيتعتزمون بموجبها تنفيذ خططهم للإنعاش وإعادة الإعمار على الأرض في غزة. ومؤخراً التزمت حركتا «حماس» و «فتح» (التي تسيطر على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية) بتنفيذ اتفاق "المصالحة" الذي وقعتاه في وقت سابق من هذا العام. وكجزء من هذا الاتفاق، تتولى السلطة الفلسطينية السيطرة على المعابر الحدودية والوزارات ومشاريع إعادة الإعمار في قطاع غزة. إلا أنه يبقى أن نرى كيف سيتم تنفيذ ذلك عملياً نظراً لأن «حماس» لن تسلّم سلاحها. وهناك خطط لإعادة نشر قوات الأمن الفلسطينية في غزة، على الرغم من أن العملية للقيام بذلك وحجمها والإطار الزمني لتنفيذها ما تزال غامضة. وعلاوة على ذلك، يبقى تسويغ البيروقراطية الحكومية داخل القطاع قيد البحث، ويهدف إلى تدقيق موظفي الخدمة المدنية التابعين لـ «حماس» في غزة والذي يصل عددهم إلى حوالي 20,000-30,000 موظف. وفي غضون ذلك، تهدف النية الفلسطينية الرسمية إلى توفير "حل مؤقت" من شأنه أن يدفع بعض التعويضات المالية لهؤلاء الموظفين. وهنا أيضاً، تم ترك الإطار الزمني لاستكمال العملية إلى أجل غير محدد.

وبالتالي، ستكون هناك حاجة إلى إعطاء إجابات حول آليات عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، سواء من حيث البيئة الأمنية أو أعمال إعادة الإعمار الفعلي (وخاصة فيما يتعلق بكيفية قيام السلطات بمراقبة المواد ذات الإستخدام المزدوج مثل الأسمنت، الذي حولته «حماس» سابقاً لأغراض عسكرية). وبسبب ميليشياتها المسلحة الكبيرة، ما زالت «حماس» تمارس قدرة فعالة على رفض الأحداث داخل غزة بصرف النظر عن حجم تنازلها عن السلطة السياسية الإسمية لصالح السلطة الفلسطينية.

ولهذا السبب، يمكن القول إن أهم نتائج مؤتمر المانحين يجب أن تكون في الرسائل التي تصدر من قبل الدول البارزة والجهات الفاعلة غير الحكومية. يتعيّن تعزيز الفكرة القائلة بأن السلطة الفلسطينية، وليس جماعة إرهابية مثل «حماس»، هي القناة الشرعية الوحيدة لفتح قطاع غزة وتأهيله. إن سياسة الرفض والعنف اللذان تتبعهما هذه الحركة لا يمكن مكافأتهما بمليارات الدولارات من المساعدات الدولية، وخاصة بعد ان شنت «حماس» حرب مدمرة وغير ضرورية قبل ثلاثة أشهر فقط.

يجب على المسؤولين في المؤتمر أن يوضحوا، بنفس القدر من الأهمية تقريباً، أنه ستكون هناك انعكاسات إذا خرقت «حماس» نظام إعادة الإعمار الذي أُقيم بعد الحرب - سواء من خلال تحويل المواد ذات الاستخدام المزدوج من مشاريع البناء المشروعة، أو التدخل في عمليات مفتشي الأمم المتحدة أو موظفيها، أو استخدام وسائل العنف لإجبار قوات السلطة الفلسطينية على العودة [إلى الضفة الغربية] أو مضايقة إسرائيل. يتعيّن على سكان غزة أن يعرفوا مسبقاً أن «حماس» هي العقبة التي تقف أمام قيام مستقبل أفضل وأكثر أملاً، وأن الحل يكمن في سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع. وإذا كان أحدث مؤتمر للمانحين حول غزة سيكون الأخير من بين مؤتمرات كهذه، فيجدر به أن يشير إلى بداية النهاية لحكم «حماس» على سكان القطاع.

 

نيري زيلبر هو باحث زائر في معهد واشنطن، وصحفي وباحث في مجالي السياسة والثقافة في الشرق الأوسط.