تنبيه سياسي
مِن حق النقض بشأن سوريا إلى أزمة المنظمات غير الحكومية في مصر: عطلة نهاية الأسبوع مليئة بالانتكاسات للسياسة الأمريكية
متاح أيضاً في English
معهد واشنطن -- تنبيه سياسي --
6 شباط/فبراير 2012
في عطلة نهاية الأسبوع تكبدت واشنطن انتكاستين في الشرق الأوسط: "الفيتو" الروسي/الصيني حول مشروع قرار من قبل مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا دعمته الولايات المتحدة، والأنباء التي أفادت بأن القضاء المصري قد اتهم 19 أمريكياً في تحقيق واسع النطاق ضد منظمات موالية للديمقراطية تدعمها الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن كل قضية من هاتين القضيتين تنشأ وفقاً للظروف الخاصة بكل بلد، كما أنها قائمة بحد ذاتها لكونها تشكل تحدياً كبيراً لمصالح الولايات المتحدة، إلا أن هناك صلة بين الإثنين - وهي رسالة إدارة أوباما إلى الخصوم ذوي العلاقة بالموضوع بأن تكلفة "سوء السلوك" ستكون قليلة.
انتصار مزدوج لروسيا والصين
حول التصويت بشأن سوريا، كان الجهد المبذول لضمان الحصول على موافقة بالإجماع على قرار مجلس الأمن بدعم خطة السلام العربية، قد تعثر منذ البداية بسبب سابقة ليبيا. ففي رأي موسكو وبكين تحول القرار الذي يجيز اتخاذ إجراءات لمنع كارثة انسانية في ليبيا إلى إعطاء ترخيص لتسليح المتمردين وإسقاط نظام القذافي. وفي الواقع، كان القرار حول سوريا أكثر جرأة في التزامه بـ "تغيير القيادة"، إن لم يكن "تغيير النظام"، لأنه دعا بشار الأسد إلى الاستقالة.
ولكن إذا كان هناك شيء واحد يكرهه الروس والصينيون أكثر من دعوات طرف ثالث إلى "تغيير القيادة"، هو احتمال القيام بتدخل عسكري لتنفيذه. وهذا هو السبب بأنه كان من الخطأ إزالة تهديد التدخل من المعادلة السورية. إن تصريحات المسؤولين الأمريكيين التي تشجب حتى فكرة التدخل - والتي بشكل ملحوظ قد حددت سياسة الولايات المتحدة حتى منذ استخدام حق النقض (إقرأ تعليق وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في أعقاب التصويت بـ "الفيتو" بأن "التدخل العسكري قد تم استبعاده تماماً، وأوضحنا ذلك منذ البداية") - ربما كان القصد منها جعل القرار حول سوريا أكثر قبولاً لروسيا والصين، ولكن من الناحية العملية لم تُسفر تلك التصريحات عن شئ سوى جعل تكلفة نقض القرار أكثر قبولاً لأولئك الرافضين الإثنين.
وكانت النتيجة، في الواقع، انتصار مزدوج لموسكو وبكين - فليس فقط أنهما نجحا في عرقلة قرار لا يرضيهما، إلا أنهما حصلا أيضاً على التزام من واشنطن بعدم التدخل عسكرياً، وهو ما يُقال أن هذا ما كانا يخشانه أكثر من أي شئ آخر. لقد كان هناك ما لا يقل عن بديلين كانا سيخدمان مصالح الولايات المتحدة على نحو أفضل وهما: كان بوسع الإدارة الأمريكية أن تصدر بيان نوايا واضح حول مواصلة طريق التدخل إذا كان سيتم نقض قرار مجلس الأمن، أو، إذا كان "فيتو" روسي/صيني يبدو مرجحاً بغض النظر [عن النتيجة]، كان بإمكان الإدارة الأمريكية أن تدعو إلى التصويت على النص الأقوى، قبل أن يتم تخفيفه لجذب الرافضين، وبذلك تمنحه قدر من الشرعية يوفره التصويت 13-2. وبطبيعة الحال، لم يكن بوسع الخيار الثاني أن ينجح إذا كانت الإدارة الأمريكية تقوم بالتضليل فقط. لقد كان من الممكن أن تكون هناك فرصة لخيار التدخل إذا كانت واشنطن مستعدة حقاً لاتخاذ ذلك المسار من دون الصين وروسيا. وفي حين لم يكن من المحتمل أن يحدث ذلك حتى الآن، إلا أن ضرب الأسد للمدنيين بلا هوادة قد يرفع عدد القتلى إلى درجة عالية جداً، بحيث حتى أولئك الذين يحجمون عن اتخاذ أي إجراء سيُرغمون على التدخل، وهي فرصة كان لا ينبغي على التصريحات الأمريكية أن تمنعها.
الضباب في أولويات الولايات المتحدة ومصر
وبالمثل، إن استخدام مصر للمطرقة القضائية ضد المنظمات غير الحكومية المؤيدة للديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة قد يعكس أيضاً قراءة القاهرة الخاطئة للخطابات القادمة من واشنطن. ففي حين لا يُخفى على أحد أنه قد تم إغضاب عناصر من النظام المصري (قبل الثورة ومنذ اندلاعها على حد سواء) حول ما تراه كتدخل من قبل الولايات المتحدة في شؤون مصر الداخلية عن طريق نشاطات هذه المنظمات غير الحكومية، فإن صفقة ضمنية قد سمحت لهم بالبقاء في العمل لسنوات دون تسجيلهم بصورة رسمية. وإحدى المفارقات الكبرى في الأزمة الحالية هو أن الثورة التي استفاد معظم أنصارها الديمقراطيين والليبراليين من التدريب الذي تقدمه المنظمات الأمريكية غير الحكومية قد تحولوا الآن ضد هذه المؤسسات نفسها.
إن السبب بسيط - من الواضح أن حكام مصر الحاليين مقتنعون بأن واشنطن بحاجة إليهم الآن، حتى أكثر من حاجة الولايات المتحدة لحسني مبارك على مدى السنوات الثلاثين الماضية. وعلى كل حال، فوفقاً لهذا المنطق قد تكون الولايات المتحدة مستعدة للدخول في شراكة مع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" لتدبير رحيل مبارك، ولكن مع صعود الأحزاب الإسلامية وانتزاع البديل الليبرالي لم يبق هناك أحد للدخول معه في شراكة - وذلك في مصر ما بعد مرحلة حكم "المجلس الأعلى".
وبالنسبة لـ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، الذي يتحمل المسؤولية عن تصرفات حكومة مصر المدنية الانتقالية الحالية، جاء دليل على هذه الفرضية بشكل تعليقات علنية معتدلة نسبياً صدرت من قبل واشنطن بعد المداهمات الأولى على المنظمات غير الحكومية في كانون الأول/ديسمبر. فعلى الرغم من إجراء مكالمات هاتفية خاصة وعاجلة إلى قادة "المجلس الأعلى"، كان الموقف العلني للإدارة الأمريكية - كما صرح بذلك مسؤول رفيع المستوى لصحيفة قاهرية - هوالتأكد من أن قضية المنظمات غير الحكومية "لا تصرفنا عن الأهمية الشاملة للعلاقات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة." وحتى لو أن "الاستقرار الاقليمي" - مصطلح للحفاظ على السلام البارد مع إسرائيل - هو الأولوية التي توليها الولايات المتحدة في مصر، كان يجب على الإدارة الأمريكية أن ترسل علناً خطاباً واضحاً مفاده بأن الفشل في حل أزمة المنظمات غير الحكومية بسرعة وبطريقة ودية قد يُحدث خرقاً خطيراً للعلاقات بين الولايات المتحدة ومصر. وبدون هذا الوضوح، فإن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" قد فسّر ذلك بصورة منطقية جداً على أنه يعني خضوعه لمخاوف استراتيجية أوسع. والنتيجة هي أن "المجلس الأعلى"، مثله مثل روسيا والصين، قد استنتج بأنه لن يدفع ثمن كبير على سلوكه الاعتراضي.
الدروس المستفادة من هذين الحادثين
في كلا الظرفين، كان لسياسة الولايات المتحدة منطق معين - وهو إغواء موسكو وبكين بعدم تأجيج الوضع غير المستقر بالفعل في مصر - ولكن في كلتا الحالتين، لم يؤدي التردد في رسم بدائل صارخة للفاعلين الرئيسيين سوى تشجيع السلوك السئ لأن يصبح أسوأ مما هو عليه. إن إصلاح هذه الأوضاع سيتطلب من الإدارة الأمريكية النظر في ردود قوية من قبل الولايات المتحدة - أي اتخاذ تدابير فعالة لحماية الشعب السوري (بما في ذلك مناطق حماية إنسانية يمكن الدفاع عنها على طول الحدود السورية والدعم اللوجستي والمادي للوحدات شبه العسكرية التي تعمل ضد النظام) وتعليق المحادثات حول مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية إلى القاهرة، ريثما يتم اتخاذ قرار من قبل الدعاوى القضائية ضد موظفي المعونة الأمريكية.
وعلى طول الطريق، ينبغي أيضاً تطبيق الدرس الأساسي من هذين الحادثين على التحدي الأكبر والأكثر إرباكاً التي تواجهه واشنطن في المنطقة ألا وهو كيفية اجبار ايران على تغيير مسارها في سعيها نحو تطوير سلاح نووي. إن النهج الصحيح هو نسخ صيغة تتضمن عقوبات أمريكية ودولية أكثر تشدداً من أي وقت مضى، واستعداد لقبول التراجع عن موقف دبلوماسي إذا ما اختار الإيرانيون هذا المسار، والقيام باستعدادات عسكرية واضحة تمنح مضمون للعبارة المتكررة "كل الخيارات على الطاولة"، وتنسيق وثيق مع إسرائيل وغيرها من الدول التي تشاطر الرأي نفسه حول مضمون وتوقيت الإجراءات الوقائية المحتملة. ومع ذلك، فإن الإدلاء بتصريحات رفيعة المستوى حول ضعف الولايات المتحدة في منطقة الخليج وأفغانستان - كما أوضح الرئيس الأمريكي أوباما في سياق حديثه قبل مباراة الـ «سوبر بول» (نهائي مسابقة كرة القدم الأمريكية للموسم) في ليلة الخامس من شباط/فبراير - تحد من فعالية هذا النهج. وفي التعامل مع إيران، كما هو الحال في التعامل مع روسيا والصين و"المجلس الأعلى للقوات المسلحة" في مصر، يشكل الاستمرار في الخطاب نفسه أمراً ضرورياً.
روبرت ساتلوف هو المدير التنفيذي لمعهد واشنطن.