أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2320

الانتخابات في تونس: خطوات نحو ترسيخ الديمقراطية

سارة فوير

متاح أيضاً في English

3 تشرين الأول/أكتوبر 2014


صادف 4 تشرين الأول/أكتوبر موعد الإطلاق الرسمي لفترة الحملة الانتخابية للانتخابات البرلمانية والرئاسية في تونس، المقرر عقدها في 26 تشرين الأول/أكتوبر و23 تشرين الثاني/نوفمبر على التوالي. وستكون هذه الانتخابات الثانية التي يتمّ إجراؤها منذ أن أضرم بائع متجوّل يائس، محمد البوعزيزي، النار بنفسه في كانون الأول/ديسمبر عام 2010، مطلقاً شرارةً أشعلت الاحتجاجات التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي، قبل أن يمتدّ سعيرها ليطال رقعةً إقليمية أوسع وتتحوّل إلى ما يعرف باسم "الربيع العربي". ولم يكن الطريق نحو الانتخابات مفروشاً بالورود، ولكنّ نجاح انتقال السلطة في تونس سيشكّل الخطوة التالية الحاسمة للبلاد وبريقاً مضيئاً نادراً في المنطقة.

الطريق الوعر لانتخابات 2014

مرّ التحوّل السياسي في تونس منذ كانون الثاني/يناير 2011 بأربع مراحل. بدأت الأولى منها مباشرةً بعد الإطاحة بالرئيس بن علي، مع تربّع سلسلة من الحكومات الانتقالية على عرش الحكم عبر انتخابات تشريعية حرة ونزيهة كانت الأولى من نوعها جرت في البلاد في تشرين الأول/أكتوبر 2011. وكانت تلك الانتخابات إيذاناً ببدء المرحلة الثانية، فشرع البرلمان المنتخب حديثاً بصياغة الدستور، ووافقت حركة "النهضة"، وهي الحزب الإسلامي الرئيسي في البلاد، على الحكم بصيغة ائتلافية أو "ترويكا"، مع حزبيْن علمانييْن أصغر حجماً. وفي خضمّ نقاشات حادّة بين أنصار حركة "النهضة" ومعارضيها بشأن موقع الدين في القانون التأسيسي الجديد وفي الحياة العامة التونسية، شهدت هذه المرحلة الثانية تزايداً في وتيرة أعمال العنف على يد الجماعات الدينية المتطرفة، بما في ذلك الهجوم على السفارة الأمريكية في تونس في أيلول/سبتمبر 2012. وبلغت أعمال العنف أوجها في منتصف عام 2013، عندما غرقت البلاد في أزمة سياسية بسبب اغتياليْن سياسييْن وهجوم على منشأة عسكرية في غرب تونس، وجميعها أعمال ارتكبها جهاديون محليون. وقد امتدت هذه المرحلة من الأزمة - وهي الثالثة من الفترة الانتقالية - من منتصف 2013 وحتى كانون الثاني/يناير من هذا العام، عندما أشرف "الحوار الوطني" - الذي مثّل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمجتمع المدني - على اعتماد الدستور الذي طال انتظاره، كما وافقت الحكومة بقيادة حركة "النهضة" على التنحي لصالح حكومة تكنوقراطية. وأطلق تأليف حكومة مؤقتة في كانون الثاني/يناير المرحلة الرابعة من الفترة الانتقالية. وقد شهدت هذه الأخيرة إنجازات رئيسية على غرار اعتماد قانون الانتخابات وتحقيق انخفاض في وتيرة أعمال العنف. ومع ذلك، تبقى هذه المكاسب هشة ويُتوقع من الحكومة القادمة تحديد التوجهات الاقتصادية والسياسية التي تشتد الحاجة إليها لتوجيه البلاد لسنوات قادمة.

القضايا الرئيسية

على عكس المراحل المبكرة من الفترة الانتقالية عندما كان الدين والدولة يهيمنان على الخطاب العام، سيهيمن موضوعا الاقتصاد والأمن على دورة الحملة الانتخابية الحالية.

الاقتصاد. استعرت الانتفاضة الشعبية التي أطاحت ببن علي عام 2011 بارتفاع معدلات البطالة والمحسوبية والفوارق الاقتصادية الإقليمية. ووفقاً لدراسة أجراها "البنك الدولي" مؤخراً، لا يزال الاقتصاد التونسي يرزح تحت وطأة "قطاع مالي يعوقه فشل الحكم، وقواعد العمل التي - للمفارقة - تعزز من انعدام الأمن الوظيفي، والسياسات التنظيمية التي تحدّ من المنافسة، وسياسة صناعية وأخرى زراعية تُنشِئان الاختلالات وترسّخان الفوارق الإقليمية..." ونتيجةً لذلك، لا تنفكّ معدلات البطالة تشكّل حوالى 15 في المائة على المستوى الوطني (وترتفع إلى 30 في المائة بين خريجي الجامعات). كما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 26 في المائة مقارنةً بمعدّله في هذه الفترة من العام المنصرم. ولم يتجاوز معدل النمو 2.3 في المائة منذ بداية 2014. وقدّمت الحكومة الأمريكية مساعدة اقتصادية في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إليها، بما في ذلك ضمانات القروض لسندات من الحكومة التونسية بقيمة مليار دولار، بالإضافة إلى 40 مليون دولار لمشاريع تطوير الأعمال في القطاع الخاص وأعمال تجارية ثنائية بين البلديْن بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار. ونجحت تونس أيضاً بالبقاء على قدميها بفضل قرضٍ من "صندوق النقد الدولي" بقيمة 1.74 مليار دولار تمّ التفاوض عليه في عام 2013. ولكن مع ذلك، ينتظر الحكومة القادمة عبء ثقيل في البدأ بمعالجة العوائق الهيكلية العميقة التي تعيق مسار الازدهار الاقتصادي في البلاد.

الأمن. على عكس مصر وليبيا واليمن، كانت انتفاضة تونس الأساسية في عام 2011 سلمية نسبياً. ولكن شهد عاما 2012 و2013 زيادةً في وتيرة أعمال العنف والنشاط الإرهابي، وهذا التطور يُعزى جزئياً إلى عوامل مثل العفو العام الذي مُنح في عام 2011 لـ 500 سجينٍ سياسي توجّه بعضهم إلى الانخراط في أعمال العنف؛ وظهور الجماعات المرتبطة بـ تنظيم «القاعدة»، كـ «أنصار الشريعة»؛ وتخفيف خناق سيطرة الدولة على المساجد؛ والتدفق المتزايد للأسلحة عبر الحدود مع الجزائر وليبيا والتي يسهل اختراقها. وفي تموز/يوليو الماضي، قتل متشددون ينتمون لـ تنظيم «القاعدة» 14 جندياً وجرحوا 20 آخرين في المنطقة الحدودية مع الجزائر. ويقدّر المسؤولون التونسيون أنّ ما يناهز 2500 مواطناً قد سافروا إلى سوريا للانضمام إلى الجماعات المتمردة التي تقاتل نظام بشار الأسد، كما أنّ جماعة جهادية تونسية قد قامت مؤخراً بإعلان ولائها لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» بعد أن أعلن هذا الأخير إقامة الخلافة في أجزاء من سوريا والعراق. ومنذ عام 2011، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 100 مليون دولار إلى الجيش التونسي و35 مليون دولار لوزارة الداخلية من أجل برامج تدريب في قطاع الأمن، كما منحت البلاد 12 مروحية من نوع "بلاك هوك." وفي حين أنّ هذه المساعدة قد سهّلت تقدّم الحكومة المؤقتة في مجال التخلّص من الخلايا الإرهابية في تونس، إلا أن الملف الأمني ​​ سيبقى على رأس أولويات المشرّعين الذين سيفوزون بالانتخابات.

اللاعبون الرئيسيون

تتنافس أكثر من 1300 قائمة مرشحين في ما يصل إلى 33 دائرة انتخابية وعلى 217 مقعداً في البرلمان. وفي الوقت نفسه، يطمح 27 مرشحاً بتبوّؤ مقعد الرئاسة. ويمكن تقسيم هذا العدد الهائل من المتنافسين السياسيين إلى أربع كتل رئيسية.

1.      حركة "النهضة". هي الحزب الإسلامي الذي قام زعيمها راشد الغنوشي بزيارة واشنطن في الأسبوع الأخير من أيلول/سبتمبر وبداية تشرين الأول/أكتوبر. وقد حصدت الحركة 41 في المائة من الأصوات وأكثرية المقاعد في الانتخابات البرلمانية عام 2011. ولكنّ شعبيتها تراجعت في خضمّ أعمال العنف والأزمة السياسية التي تلت ذلك في عاميْ 2012-2013، وتشير الاستطلاعات إلى أنّ الحركة ستحصل على حوالى 30 في المائة من الأصوات إذا أجريت الانتخابات البرلمانية في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، ممّا يجعل من المرجّح أن تحتاج مرة أخرى إلى الحكم في ائتلاف مع أحزاب أخرى. ومع ذلك، تبقى حركة "النهضة" الحزب الأكثر تنظيماً والأوفر حظاً، باعتبارها من الأحزاب القليلة التي لديها مرّشحين في جميع الدوائر التصويت البالغ عددها 33 دائرة.

2.      "نداء تونس". بعد الأداء القوي لـ حركة "النهضة" في الانتخابات البرلمانية عام 2011، قام الباجي قائد السبسي، وهو رجل دولة مخضرم منذ أن كان الحبيب بورقيبة رئيساً للبلاد ورئيس وزراء مؤقت بعد رحيل بن علي، بتأسيس حزب جديد، وبدأ بحشد التونسيين حول رسالة معادية للإسلاميين على نطاق واسع. ومنذ عام 2012، برزت تظهر حركة "نداء تونس" كالمنافس الرئيسي لحزب "النهضة"، واجتذبت مزيجاً من الليبراليين العلمانيين وأنصار النظام السابق الحريصين على موازنة تقدّم الإسلاميين. والسبسي هو أيضاً من أبرز المنافسين لمنصب الرئاسة. ولكن على الرغم من تقدّمه بأشواط على المرشحين الآخرين وفقاً للاستطلاعات، أشارت الأغلبية الكبرى من المشاركين في هذه الاستطلاعات إلى أنهم ما زالوا مترددين حول اختيارهم لمنصب الرئيس.

3.      "الجبهة الشعبية". منذ أوائل عام 2013، شكّل ما يقرب من عشرة أحزاب سياسية علمانية كتلةً انتخابية تُعرف باسم "الجبهة الشعبية". وكان السياسيان شكري بلعيد ومحمد براهمي، الذين اغتيلا على يد مسلحين من أنصار الشريعة عام 2013، أعضاء في "الجبهة الشعبية". ويروّج هذا التحالف لنفسه على أنه اشتراكي معارض للإسلاميين وبديل لـ "الترويكا"، وقد يتمكّن من الفوز بما يكفي من المقاعد في البرلمان لتخطّي أرقام كلّ من حركة "النهضة" و "نداء تونس".

4.      الأحزاب الأصغر حجماً والمستقلين. منذ عام 2011، ظهرت مجموعة من الأحزاب السياسية الأصغر حجماً والشخصيات المستقلة كمجموعة إضافية على الساحة السياسية التونسية. وتشمل هذه المجموعة الحزبين العلمانيين الوسطيين المشاركين في "الترويكا" - "حزب المؤتمر من أجل الجمهورية" و "حزب التكتّل" - وأحزاب علمانية ليبرالية مثل "الحزب الجمهوري" و"آفاق تونس". وينتمي معظم المرشحين للرئاسة، باستثناء السبسي، إلى هذه الأحزاب الصغيرة أو ترشّحوا كمستقلين.

التداعيات على السياسة الأمريكية

لطالما كرّرت إدارة أوباما دعمها للمرحلة الانتقالية في تونس، ولقد لعبت المؤسسات الأمريكية الحكومية وغير الحكومية دوراً بنّاءً في هذا التحول. وبما أنه يبدو أنّ أيّاً من الكتل الانتخابية لن تحصل على الأرجح على ما يكفي من الأصوات لتحكم بمفردها، فإنّ فترة ما بعد الانتخابات ستكون حاسمةً لنجاح هذه المرحلة الانتقالية. ومن أجل ضمان تعزيز تونس لديمقراطيتها، ينبغي على صانعي السياسة الأمريكيين تشجيع أعضاء الحكومة المرتقبة على تجنب خطاب الاستقطاب والسلوك الذي كاد يضع حداً للمرحلة الانتقالية في العام الماضي. وسيكون استمرار المساعدة الأمنية والاقتصادية ضرورياً هو الآخر. كما سيخفف اتخاذ تدابير على غرار مساعدة الحكومة التونسية لضمان أمن حدودها مع ليبيا من خطر دخول المسلحين والأسلحة إلى البلاد، وسيساعد على خفض وتيرة التهريب التي قوّضت الانتعاش الاقتصادي في تونس.

 

سارة فوير هي زميلة سوريف في معهد واشنطن.