تنبيه سياسي
الأحكام القضائية الصادمة في مصر
متاح أيضاً في English
14 حزيران/يونيو 2012
"هناك احتمالات لنشوب اضطرابات جديدة بعد إصدار قرارات من قبل المحكمة الدستورية العليا والتي تبدو وكأنها تدعم المجلس العسكري."
في 14 حزيران/يونيو 2012 أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكمين جوهريين يقضيان باستمرار رئيس الوزراء الأسبق وقائد القوات الجوية أحمد شفيق في خوض جولة الإعادة الرئاسية في نهاية هذا الأسبوع مع إبطال ثلث مقاعد الهيئة التشريعية التي يسيطر عليها الإسلاميون. وتُضفي هذه الخطوة المفاجئة المزيد من الاضطرابات والارتباك على مرحلة التحول السياسي في البلاد.
ربما كان هناك بعض الأساس القانوني لقرار إبطال نتائج الانتخابات لـ 166 من أعضاء البرلمان - حيث فاز المرشحون المنتسبون لأحزاب بمقاعد كان يجب تخصيصها لـ "المستقلين". وفي أعقاب صدور الحكم، أعلن الجيش عن حل الهيئة التشريعية واستعادته سلطات إصدار القوانين في البلاد. والواقع أن توقيت قرار المحكمة - قبل يومين فقط من الجولة النهائية للانتخابات الرئاسية - جعل العديد من المراقبين يصفونه بأنه انقلاب ناعم سوف يسمح للجيش بأن يظل مركز السلطة الرئيسي. وباختصار، فإن الحكمين يقوضان مصداقية عملية الاقتراع في نهاية هذا الأسبوع، كما يُعرِّضان سمعة الهيئة القضائية المصرية التي كانت تحظى باحترام كبير ومعهود للمزيد من الخطر، فضلاً عن أنهما يثيران شبح اندلاع جولة جديدة من المظاهرات الجماهيرية.
والخاسر الأكبر من هذه القرارات هي جماعة «الإخوان المسلمين» التي كانت تسيطر على 47 بالمائة من البرلمان. وسوف يواجه مرشحها الرئاسي - محمد مرسي - الجنرال المتقاعد أحمد شفيق الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره متوافقاً في الرؤى مع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة". ومنذ آذار/مارس عندما قامت «الجماعة» في البداية بترشيح مرسي فإنها حذرت بأن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" سيعمل على تزوير الانتخابات لصالح مسؤول في النظام السابق. ويبدو أن قرارات المحكمة من الرابع عشر من حزيران/يونيو تبرر هذه المخاوف.
وقد تباينت ردود أفعال «الإخوان المسلمين» الأولية على تلك القرارات. فمن ناحية، أشار الناطق باسم «الجماعة» محمد غزلان إلى أن «الإخوان المسلمين» سيقبلون القرار بخصوص شفيق قائلاً: "لقد أصبح الأمر واقعاً الآن، ويجب علينا التعامل معه على هذا النحو". بيد أعربت «الجماعة» في الوقت ذاته عن رفضها لقرار حل البرلمان، وهي خطوة صرح زعيم «الإخوان» في البرلمان عصام العريان أنها سوف تقود مصر إلى "نفق مظلم".
ولا شك أن الحكمين سيؤديان إلى خروج بعض المصريين إلى الشوارع. والسؤال الرئيسي يتعلق بكيفية رد جماعة «الإخوان» - وهي القوة السياسية الأكثر قدرة وتنظيماً في مصر. ورغم أن «الجماعة» قد تتظاهر بأعداد غفيرة يوم الجمعة مثلما دأبت خلال الأسابيع العديدة الماضية، إلا أنها قد تختار منهجاً أقل تصادمية مع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة". فقد أوردت تقارير صحفية مصرية أن كبار المسؤولين في «الجماعة» يعقدون اجتماعات مع كبار الجنرالات في "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، بما في ذلك مناقشات أجريت في وقت مبكر من هذا الأسبوع بين نائب المرشد الأعلى خيرت الشاطر ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة سامي عنان. وهذا يشير إلى احتمالية عقد اتفاق ربما لتأمين رئاسة الوزراء لصالح «الإخوان» في ظل رئاسة شفيق.
ولدى «الجماعة» أسباب أخرى للتصرف بحذر حتى في ظل عدم وجود أي اتفاق. ففي يوم الأربعاء، تجاهل وزير العدل المُعيَّن من قبل "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" الإلغاء الأخير لـ "قانون الطوارئ" سيء السمعة في مصر بإصدار أمر يخول ضباط المخابرات العسكرية والشرطة العسكرية باعتقال المدنيين. وفي وقت مبكر من هذا الأسبوع، نشرت صحيفة "المصري اليوم" صورة لتشكيلات من الشرطة العسكرية ترتدي زياً جديداً وتحمل كامل معداتها لمكافحة الشغب. وفي حالة خروج «الإخوان» بقوة ضد الأحكام القضائية وتحديهم لـ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، فقد يترتب على ذلك نشوب أعمال عنف. وحتى بدون جماعة «الإخوان»، فقد تصبح بعض الاشتباكات بين المحتجين الليبراليين والجيش أمراً حتمياً. بيد لم يظهر قادة الجيش حتى اليوم رغبة متسقة في استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين - ربما لأن أوامر من هذا القبيل قد لا يتم اتباعها.
والأمر المرجح في حالة خروج مظاهرات جماهيرية حاشدة هو تراجع الجيش مثلما فعل حتى الآن في جميع المواجهات تقريباً مع جماعة «الإخوان». وربما يكون أفضل مثالين على مثل هذه التنازلات ما حدث في نيسان/أبريل 2011 عندما تنازل "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" في وجه مظاهرات حاشدة واعتقل الرئيس السابق حسني مبارك، وما حدث في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، عندما أرغمت المظاهرات الحاشدة "المجلس" على إعداد إطار زمني لانسحابه رسمياً من السلطة.
وبالنسبة لواشنطن فإن احتمالات زعزعة الاستقرار في مصر تبدو مقلقة للغاية. والأسوأ من ذلك المدى الذي تؤدي معه التطورات المحيطة بالانتخابات الرئاسية إلى تقويض المؤسسات السياسية في البلاد وشرعية قيادتها في هذه اللحظة المحورية. وبالنظر إلى هذه الأمور معاً، فإن الأحكام القضائية سوف تزيد من تفاقم انعدام الأمن الداخلي والمشاكل الاقتصادية، مما يؤكد استمرار المرحلة الانتقالية المضطربة في مصر خلال المستقبل المنظور.
ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. إريك تراغر هو زميل الجيل التالي في المعهد.