صفحات رأي ومقالات
يجب على زعماء مصر الجدد تقبل الواقع
متاح أيضاً في English
واشنطن بوست
19 آب/أغسطس 2012
الخلافات السياسية أمر يمكن تفهمه، لكن من غير المقبول أن يعمد زعماء مصر الجدد إلى ترهيب الإعلام المحلي أو إصدار أوامر بتحركات محظورة إلى داخل سيناء أو إزكاء الأكاذيب المتعمدة عن إسرائيل.
هناك واقع جديد وواقع بديل يتشكلان في مصر حالياً. إذ يبدو أن الرئيس محمد مرسي وجماعة «الإخوان المسلمين» يسيطران بإحكام على مفاصل الدولة. فقد استغل مرسي مقتل 16 جندياً مصرياً في سيناء في وقت مبكر من هذا الشهر - أمر محرج للجيش ولا سيما "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" - لعزل أبرز القادة العسكريين من مناصبهم. كما قام بتعديل الإعلان الدستوري من آذار/مارس 2011 بشكل أحادي ومنح نفسه السلطتين التنفيذية والتشريعية. وباختصار، فبدون وجود أي مؤشرات على المقاومة من قبل الجيش فرض مرسي القيادة المدنية على مصر.
ينظر كثيرون إلى تحرك مرسي للسيطرة على "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" - بإقالته المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس هيئة أركان الجيش سامي عنان وقادة الجيش والبحرية والقوات الجوية المصرية - على أنه يمنح الثورة المصرية في النهاية فرصة لعزل فلول نظام مبارك الرئيسيين فضلاً عن الوفاء بالوعد الذي قطعته الثورة [على نفسها أمام الذين أعلنوا عنها]. بينما يرى آخرون - لا سيما غير الإسلاميين - أن تلك الإجراءات الأخيرة تأتي في إطار سعي «الإخوان» إلى إزالة كافة المعوقات أمام سلطتهم.
وبالنظر إلى بعض التحركات الأخرى التي اتخذها مرسي ومن حوله، فهناك أسباباً تدعو للقلق. فقد عيّن مرسي وزيراً جديداً للإعلام - صلاح عبد المقصود - الذي ينتمي أيضاً إلى جماعة «الإخوان المسلمين» ويدعم بصورة نشطة التحرك الهادف إلى استبدال 50 محرراً وصحفياً بارزاً. وقد تم توجيه اتهامات ضد محرر صحيفة المعارضة المستقلة "الدستور" لإهانته الرئيس. ويرجح أنه ليس من باب المصادفة أن نبرة الإعلام المملوك للدولة قد تغيرت بشكل ملحوظ في الأسبوع الماضي - وأصبحت أكثر تفضيلاً لمرسي.
وأياً من ذلك لا يعني أن مسار التغيير في مصر مُقدَّر سلفاً. ولكنه يعني أن مرسي - الذي أحاط نفسه إلى حد كبير بأعضاء من جماعة «الإخوان» أو المتعاطفين معهم - يهيمن على كافة مؤسسات السلطة في مصر. فالرئيس و «الإخوان» سيجدون صعوبة في التهرب من المسؤولية تجاه أي حادث يقع في مصر. فالبلاد تواجه تحديات اقتصادية صعبة وسوف تحتاج إلى الكثير من المساعدات الخارجية والاستثمارات الخاصة. ويسعى مرسي وجماعة «الإخوان» إلى الحصول على دعم خارجي لـ "مشروع النهضة" الذي تبنوه لتنشيط الاقتصاد، فبعد أن رفضوا شروط اتفاق "صندوق النقد الدولي" عندما لم يكونوا في السلطة، يبدو أن مرسي و «الإخوان» متحمسين الآن ليس فقط للحصول على ذلك القرض وإنما لاقتراض أيضاً ما يزيد على 3.2 مليار دولار كان "الصندوق" مستعداً لتقديمها بشروط.
وفي هذا الصدد يبدو أن مرسي و جماعة «الإخوان» يدركون الواقع. لكن هناك جانب آخر على نفس القدر من الأهمية يبدو أنهم مُصرّين على تجاهله. لننظر إلى إنكار مرسي لواقع إرساله رداً لرسالة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس على برقية كتبها بيرس إليه بعد أن أثارت أنباء تلك البرقية رد فعل عنيف في صفوف «الإخوان» على إجراء مرسي أي اتصال مع إسرائيل. وما يجعل هذا الأمر جديراً بالملاحظة أن مكتب بيرس لم ينشر خطاب مرسي علانية إلا بعد مراجعة المصريين للتأكد من أن ذلك لا بأس به. وقد دفع السخط الشعبي في صفوف «الإخوان» إلى إنكار الرئيس المصري علناً هذه الحقيقة. وعلى نحو مماثل، لننظر إلى توجيه «الجماعة» أصابع الاتهام فوراً إلى "الموساد"، الجهاز الإسرائيلي للاستخبارات والمهمات الخاصة، عن هجوم سيناء الذي أودى بحياة الجنود المصريين - وهو شيء تعلم «الجماعة» أنه غير حقيقي.
فما هي الاستنتاجات التي ينبغي التوصل إليها حول تنظيم لا يستطيع الاعتراف بالحقيقة؟ ويُصر على العيش في واقعه الخاص؟ إن أكثر ما يبرزه ذلك هو تمسك «الجماعة» بأيديولوجيتها وعدم استطاعتها الاعتراف بأي شيء قد يثير تساؤلات حول فلسفتها الأساسية. لكن لا ينبغي على الولايات المتحدة وغيرها تقبّل الواقع البديل لـ «الإخوان». وهذا لا يعني أنه يتعين على الطرفين أن يتفقا حول كل شيء. فالخلافات السياسية أمر مفهوم - لكن من غير المقبول إنكار الواقع وتعزيز رواية وسياسات تقوم على الأكاذيب والأوهام.
ينبغي على مرسي و «الإخوان» أن يعلمون ذلك. كما يتوجب على الشعب المصري ورئيسه أن يعلمون أيضاً أن الولايات المتحدة مستعدة لحشد المجتمع الدولي والمؤسسات المالية العالمية من أجل مساعدة مصر - لكنها لن تفعل ذلك إلا إذا كانت الحكومة المصرية مستعدة للعب حسب مجموعة من القواعد المستندة إلى الواقع والمبادئ الأساسية. عليهم أن يحترموا حقوق الأقليات والنساء، بل يجب عليهم تقبل التعددية السياسية وإفساح المجال أمام المنافسة السياسية المفتوحة فضلاً عن احترام التزاماتهم الدولية، بما في ذلك شروط معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
إن السجل حتى اليوم ليس مشجعاً: إذ تشير التقارير الإخبارية إلى أن أكثر من 100,000 مسيحي قبطي غادروا مصر؛ هذا إلى جانب تجدد الجهود الرامية إلى ترهيب الإعلام، وقيام مرسي بدفع القوات المسلحة إلى سيناء دون إخطار الإسرائيليين أولاً - وهو أحد متطلبات معاهدة السلام. يجب أن يكون موقف الإدارة الأمريكية واضحاً: إذا استمر هذا السلوك فإن دعم الولايات المتحدة لن يتحقق - حيث سيكون ضرورياً لكسب المعونة الاقتصادية الدولية وتعزيز الاستثمار. إن تخفيف حدة رد واشنطن أو حجبه في هذه المرحلة قد يكون جيداً لجماعة «الإخوان»، لكنه لن يكون جيداً بالنسبة لمصر.
دينيس روس هو مستشار في معهد واشنطن ومساعد خاص سابق للرئيس أوباما لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا.