أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1918

جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر تسعى إلى الاحتكار السياسي

اريك تراجر

متاح أيضاً في English

4 أبريل 2012


 

"إن تراجع جماعة «الإخوان المسلمين» عن قرارها المتعلق بالترشح لانتخابات الرئاسة يبرز الهيكل الداخلي الديكتاتوري لـ «الجماعة» وطموحاتها المتعطشة للسلطة، وكلاهما يؤديان إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي في مصر."

يوم السبت الماضي أعلنت «الجماعة» عن ترشيحها لـ "نائب المرشد الأعلى" خيرت الشاطر لمنصب الرئيس مما يعزز حدوث تحول جوهري في استراتيجيتها السياسية. ورغم أن «الإخوان المسلمين» حاولوا في بادئ الأمر إدارة المرحلة الانتقالية لمصر ما بعد مبارك عن طريق التعاون مع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" والأحزاب العلمانية، إلا أنهم يسعوا الآن إلى الحصول على الهيمنة السياسية المطلقة. وتراجع جماعة «الإخوان» عن تعهدها المتكرر بعدم الدفع بمرشح رئاسي يشير أيضاً إلى أنه لا يمكن الوثوق بها لو قررت أن هناك مصلحة بإمكانها أن تحققها. والأكثر من ذلك أن سعي «الجماعة» إلى الاحتكار السياسي يقوِّض فرص الديمقراطية في مصر ويهدد بتصعيد عدم الاستقرار السياسي - وهو سيناريو ينبغي أن يزعج صناع السياسة الأمريكيين بشكل كبير.

انهيار واجهة التعاون

عقب الإطاحة بالرئيس حسني مبارك في شباط/ فبراير 2011 سعت جماعة «الإخوان المسلمين» إلى تهدئة مخاوف العلمانيين من استيلاء الإسلاميين على السلطة عن طريق إقرار منهج سياسي تعاوني وإضفاء شكل معتدل على سعيها للسلطة. وفي هذا الإطار قدمت «الجماعة» تعهدين على وجه التحديد وهما: تنافسها على أقل من نصف مقاعد الانتخابات البرلمانية النهائية، وعدم اختيارها مرشحاً للرئاسة. وفي حزيران/ يونيو 2011، أكدت «الجماعة» على التزامها بالتعاون عن طريق الانضمام إلى «حزب الوفد» العلماني لتكوين "التحالف الديمقراطي الوطني" من أجل مصر، وهو تحالف انتخابي شمل في أفضل حالاته ثلاثة وأربعين حزباً.

غير أن ذلك المنهج التعاوني كان مجرد واجهة. ففي تشرين الأول/ أكتوبر، ووفقاً لما أوردته التقارير أصرت جماعة «الإخوان» على أن يكون 40 بالمائة من مرشحي البرلمان في "التحالف الديمقراطي" من صفوفها، وهو ما حفّز على انشقاق ثلاثين حزباً، من بينها «حزب الوفد». وبعد ذلك بفترة وجيزة، تراجعت «الجماعة» عن تعهدها الأول، وترشحت في النهاية على ما لا يقل من 77 بالمائة من المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي انتهت في كانون الثاني/ يناير. ثم بعد فوزهم بأغلبية 47 بالمائة من الأصوات في تلك الانتخابات، ضمن «الإخوان» هيمنتهم على الهيئة التشريعية عن طريق تعيين رؤساء - لأربع عشرة لجنة برلمانية من بين تسع عشرة لجنة في البرلمان المصري - يكونون متوافقين مع «الجماعة».

كما قامت جماعة «الإخوان المسلمين» في الشهر الماضي بإبعاد الأحزاب العلمانية عن طريق احتكار "الجمعية التأسيسية لوضع الدستور" المُعيّنة من قبل الهيئة التشريعية، والتي ستتولى كتابة الدستور المصري القادم. وتم تعيين الزعيم السياسي لـ «الجماعة» ورئيس "مجلس الشعب" سعد الكتاتني رئيساً لـ "الجمعية التأسيسية لوضع الدستور". وتضم هذه "الجمعية" مائة عضو من بينهم خمسة وستين ينتمون إلى أحزاب إسلامية - 27 عضواً منهم هم من جماعة «الإخوان» و12 آخرين ينتمون إلى السلفيين. وفي المقابل، لم يتم حجز سوى 16 مقعداً للعلمانيين، و5 مقاعد للمسيحيين، و6 للنساء.

لقد حفّزت أفعال «الجماعة» على ظهور أزمة سياسية حادة. فعند افتتاح الجلسة الأولى لـ "الجمعية التأسيسية لوضع الدستور" في 28 آذار/ مارس، كان خمسة وعشرون عضواً قد استقالوا منها بالفعل احتجاجاً على تكوين "الجمعية"، وبعد ذلك بفترة وجيزة استقال منها أيضاً ممثلو الأزهر والكنيسة الأورثوذكسية القبطية. ولم تُظهر «الجماعة» سوى رغبة محدودة لضم مزيد من غير الإسلاميين لجعل "الجمعية" أكثر شمولاً. والواقع أن عضو البرلمان من قبل «الجماعة» صبحي صالح قد استنكر تلك الاستقالات وأعلن أن "الجمعية" لن "تقع رهينة لديكتاتورية الأقلية".

وفي غضون ذلك، رفع محامون بارزون دعوى قضائية ضد "الجمعية" يقولون فيها بأن إدراج أعضاء البرلمان في مثل هذه الهيئة هو غير دستوري؛ ومن المقرر إصدار قرار في هذا الصدد في 10 نيسان/ أبريل. وإذا لم يتم إبطال "الجمعية التأسيسية الحالية لوضع الدستور" فسيفتقر دستور مصر القادم إلى الشرعية لدى شريحة كبيرة من جمهور الناخبين -- وهو وضع سوف يقوِّض المحاولات الرامية إلى ترسيخ ثقافة العقلانية القانونية.

انتهاء الوئام بين جماعة «الإخوان» و"المجلس الأعلى للقوات المسلحة"

ثبت أن التعاون بين جماعة «الإخوان المسلمين» و"المجلس الأعلى للقوات المسلحة" ضعيف إلى حد ما. فالوعد الذي قطعته عليها «الجماعة» في شباط/ فبراير 2011 بعدم الترشح للرئاسة كان من ناحية بمثابة تعهد بعدم التنافس مع السلطة التنفيذية لـ "المجلس العسكري"، وهو الأمر الذي كانت تخشى «الجماعة» من أن يؤدي إلى حدوث أعمال قمع على غرار ما حدث في الجزائر. كما أن جماعة «الإخوان» طمأنت "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" عن طريق المساعدة في صياغة تعديلات دستورية مقترحة تضمنت برنامج "المجلس" للتحول السياسي، ومن خلال دعم تلك التدابير في استفتاء آذار/ مارس 2011. وعندما صعّد الناشطون المؤيدون للديمقراطية من احتجاجاتهم لاحقاً ضد الحكم القمعي من جانب "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، غالباً ما وقفت «الجماعة» جانباً وحدّت إلى أقل درجة من انتقاداتها لـ "المجلس العسكري".

ويبدو أن ذلك الوئام تعزز عقب الانتصار الذي حققه «الإخوان المسلمون» في البرلمان، عندما عينت «الجماعة» جنرالاً سابقاً لرئاسة "لجنة الدفاع والأمن القومي" التي تتسم بالحساسية. كما استخدمت جماعة «الإخوان» أغلبيتها التشريعية للحد من الانتقادات الموجهة إلى "المجلس الأعلى"، على سبيل المثال عن طريق التحقيق مع برلماني علماني لإهانته المزعومة لرئيس "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" المشير محمد حسين طنطاوي.

بيد، ساءت العلاقة في الشهر الماضي عندما طالب البرلمان بإقالة الحكومة التي عينها "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" بسبب رفع حظر السفر عن ناشطين أمريكيين من المنظمات غير الحكومية المؤيدة للديمقراطية. وتجاوزت الهيئة التشريعية سلطتها الدستورية بمعارضتها الضمنية لسلطة "المجلس" التنفيذية التي تشمل سلطة تعيين الحكومة؛ ورداً على ذلك، راجت شائعات بأن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" قد يعارض الشرعية الدستورية للبرلمان. وسرعان ما نشبت حرب كلامية بين الطرفين: فقد اتهمت جماعة «الإخوان» "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" بمحاولة "إجهاض الثورة"، بينما ألمح "المجلس" إلى أنه قد يقمع «الإخوان» مثلما فعل الجيش في ظل حكم جمال عبد الناصر في عام 1954.

إن ترشيح جماعة «الإخوان» للشاطر لمنصب الرئيس يشكل تصعيداً إضافياً لهذا الصراع، حيث إنه يتحدى علانية السلطة التنفيذية لـ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة". وفي بيانها للإعلان عن ذلك القرار، اتهمت «الجماعة» "المجلس" بإعاقة عمل البرلمان والضغط على الأحزاب لترك "الجمعية التأسيسية لوضع الدستور" ومحاولة الدفع بمرشح رئاسي يعيد تكريس الحكم الاستبدادي. وبالنظر إلى المخاطر السياسية والاقتصادية لـ "المجلس الأعلى" في هذا الخلاف وسجله في قمع المنتقدين الآخرين، تهدد هذه المواجهة بزعزعة البيئة السياسية الضعيفة بالفعل في مصر.

دلالات للسياسة الأمريكية

كشفت جماعة «الإخوان» عن أهدافها الحقيقية بتراجعها عن وعدين سياسيين لطالما دأبت على تكرارهما. واتضح أن أولويتها الأولى هي الهيمنة على السياسات المصرية، وأنه لا يمكن الوثوق بأي ضمانات من جانبها تناقض ذلك. وعلاوة على هذا، لم يكن المراقبون الغربيون وحدهم هم من تفاجأوا بترشيح الشاطر - فحتى مسؤولو «الإخوان» من المستويات الوسطى أُخذوا أيضاً على حين غرة - وهو ما يشير إلى أن عملية صنع القرارات لا تزال متركزة في أيدي مجموعة صغيرة نسبياً من القيادة العليا لـ «الإخوان».

وهناك ثلاث سيناريوهات محتملة تظهر الخطر الكامن في الهيكل الداخلي الديكتاتوري لـ جماعة «الإخوان المسلمين» وطموحاتها المتعطشة للسلطة. أولاً، إذا فاز الشاطر بالانتخابات الرئاسية المقرر لها حالياً أن تُجرى في أواخر أيار/ مايو، فمن المحتمل أن تمارس جماعة «الإخوان» الجريئة مزيداً من الضغوط حتى يتخلى الجيش عن العديد من مميزاته (مثل استقلال الميزانية والسيطرة على الصناعات الكبرى)، وهو ما قد يمهد الطريق لحدوث مواجهة عنيفة. كما أن الاحتكار السياسي لـ جماعة «الإخوان» سيشجع كذلك على وقوع احتجاجات مكثفة من جانب العلمانيين، الذين يتهمون «الإخوان» بالفعل بالتصرف على غرار الحزب الحاكم السابق في عهد مبارك. وفي غضون ذلك، لا شك أن «الجماعة» سوف تستغل وضعها المهيمن لتنفيذ أجندة دينية قمعية (على سبيل المثال، إلغاء الحظر المفروض على ختان الإناث، وهو ما دعمته مؤخراً برلمانية تنتمي إلى «الجماعة»)، الأمر الذي سيؤدي إلى تفاقم التوترات الداخلية.

وبدلاً من ذلك، إذا خسر الشاطر الانتخابات لصالح مرشح مدعوم من قبل "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، فمن المحتمل أن تزعم «الجماعة» بأن التصويت كان مزوراً (والواقع أن «الجماعة» تتهم "المجلس" بالفعل بالتخطيط لسرقة الانتخابات). وفي هذا السيناريو، يمكن أن يستغل «الأخوان» هيمنتهم البرلمانية للتقويض من شرعية الرئاسة والجيش على حد سواء، مما سيسبب حدوث أزمة سياسية مطولة.

ومن الممكن أيضاً أن يخسر الشاطر أمام المرشح الرئاسي السلفي حازم أبو إسماعيل. وفي هذه الحالة، سوف تصبح مصر فعلاً ثيوقراطية تنافسية، وسيؤدي ذلك إلى إبعاد غير الإسلاميين ودفعهم إلى معارضة شرعية النظام الجديد أو الهجرة.

ويقيناً هناك سيناريوهات أخرى محتملة. بيد، من الصعب تصور سيناريو يعزز فيه سعي جماعة «الإخوان» للاحتكار السياسي من احتمالات الاستقرار في البلاد، نظراً للأيديولوجية الإقصائية لـ «الجماعة» وعزمها على الهيمنة. وتواجه مصر أزمة اقتصادية حادة يمكن أن تؤدي إلى إفلاسها في وقت لاحق من هذا العام. إن الصراع المستمر على السلطة بين جماعة «الإخوان» و"المجلس الأعلى للقوات المسلحة" قد يحوِّل ذلك البلد الفقير الذي يبلغ تعداد سكانه 80 مليون نسمة إلى دولة فاشلة. وبالنسبة لواشنطن قد يكون ذلك السيناريو هو الأسوأ، حيث سيهدد الجهود الرامية إلى تحقيق مصالح أمريكا الرئيسية الثلاثة في مصر وهي: التعاون الاستراتيجي والتعددية السياسية والسلام الإقليمي.

وفي الوقت ذاته، فإن الدمج بين السلطة التشريعية والتنفيذية سوف يزيد من صعوبة تهرب «الجماعة» من المسؤولية السياسية الداخلية. ويمثل ذلك فرصة سياسية هامة لواشنطن. وبينما تنظر جماعة «الإخوان» - لا محالة - إلى الخارج للحصول على الدعم والمساعدة، يمكن أن تشرط واشنطن إرادتها على سلوكيات «الجماعة» لضمان المستقبل الاقتصادي لمصر. وعلى وجه التحديد، يجب أن تعمل إدارة أوباما مع حلفائها الدوليين لوضع حزمة مساعدات اقتصادية جديرة بالثقة يتم توزيعها تدريجياً، ويكون ذلك فقط طالما تصرف «الأخوان» بطريقة مسؤولة وساعدوا في تطوير مؤسسات سياسية أكثر شمولية. يجب على واشنطن أن تستخدم المساعدات العسكرية بطريقة مماثلة لجعل "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" يتحمل مسؤولياته ويمكن محاسبته.

 

إريك تراغرهو زميل آيرا وينر في معهد واشنطن ومرشح للدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا، حيث يكتب أطروحته عن أحزاب المعارضة المصرية.