أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2259

مصر بعد الانتخابات: تعزيز العلاقة الاستراتيجية

مايكل سينغ

متاح أيضاً في English

30 أيار/مايو 2014


يمثل الفوز الذي حققه عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية في مصر التي جرت في الأسبوع الأخير من أيار/مايو بداية فصل جديد لبلاده، ولكن ليس بالضرورة نهاية اضطراباتها السياسية والاقتصادية. فالسنوات الثلاث الماضية لم تترك مصر مكبلةً بمشاكل محلية وضائقة اقتصادية فحسب، بل أسفرت أيضاً عن زيادة التدهور في العلاقات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة. فقد انكفأت القاهرة على ذاتها، رافضة للمشورة أو التأثير، في حين كانت واشنطن تراقب الوضع في حيرة. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين يواصلون وصف العلاقات مع مصر بأنها "استراتيجية"، إلا أنها في الواقع أصبحت علاقات نفعية، يتبادل فيها الطرفان احتياجاتهما الضرورية : فالولايات المتحدة بحاجة إلى علاقات إسرائيلية - مصرية مستقرة وتعاونية ومرور تفضيلي عبر قناة السويس، بينما تحتاج مصر إلى المعدات العسكرية والاعتراف الدولي. وللمفارقة فإن مصر تمتلك اليد العليا في هذه العلاقة على الرغم من مشاكلها، ويرجع ذلك أساساً لأنها تعتقد أنه يمكنها اللجوء إلى أطراف أخرى لتلبية احتياجاتها على المدى القصير - روسيا لإمدادها بالمعدات العسكرية، ودول الخليج العربي للحصول على مساعدات، والمجتمع الدولي لنيل الاعتراف. وفي المقابل، ليس لدى واشنطن بديل جغرافي سياسي عن مصر.

التطلع للمستقبل

إن استمرار هذا النهج يبدو قصير النظر لكل من الولايات المتحدة ومصر. فالاعتماد العسكري على موسكو أو بكين والإعتماد المالي على الجهات المانحة من دول الخليج - أو أي جهة مانحة في هذا الصدد - على المدى الطويل، سيعرقل عجلة التنمية في مصر بدلاً من أن يدفعها إلى الأمام. وبالنسبة لواشنطن، فإن إعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع كل تحول يجري في مصر يبدو أمراً مرهقاً ويأتي بنتائج عكسية، ولن يؤدي ذلك إلى تنفير المصريين فقط بل سيمتد الأمر لحلفاء آخرين يزعجهم التقلب الأمريكي. فنجاح مصر كحليف مستقر ومزدهر أمر يصب بوضوح في صالح الولايات المتحدة مما يضفي أهمية على إيجاد الأدوات التي يمكن أن تؤثر إيجابياً على مسار البلاد.

إن الأمور التي تتجسد حالياً في مصر ستطول وستكون إلى حد كبير خارجة عن سيطرة واشنطن. فسياسة البلاد لا تمثل انقساماً بين الديمقراطية والاستبداد أو الإسلاموية والعلمانية، وإنما تفاعلاً بين العديد من القوى الكبيرة (بيروقراطية متأصلة، وجيش مترامي الأطراف، وإسلام سياسي) أُضيف له قوة جديدة وقوية وهي: توقع الشعب للمشاركة السياسية. فكما هو الحال في تركيا، وتايلاند، وحالات مماثلة، فإن التفاعل بين هذه القوى لا يسير وفق خط مستقيم نحو نتيجة معينة، بل يسير في مسار متعرج ومضطرب يتطلب الصبر والاهتمام المتواصل من قبل واشنطن.

من المستبعد أن تضع وزارة الخارجية الأمريكية نفسها قريباً في موضع تشهد فيه عن سير مصر على طريق الديمقراطية، وبالتالي تمهد الطريق لاستئناف المساعدات العسكرية. ولا ينبغي أن تكون العودة إلى الوضع السابق - الذي كان قد تدهور على مدى سنوات - هدف واشنطن، ولا القاهرة، بل ينبغي أن يُنظر إلى فوز السيسي باعتباره فرصة لإعادة تعريف العلاقة بحيث يصلح أن يطلق عليها مرة أخرى تسمية "الاستراتيجية".

خطوط العمل

بمجرد اعتماد نتائج الانتخابات رسمياً، ينبغي على الولايات المتحدة أن تعدل سياستها في عدة مجالات محورية.

التعاون الأمني. على مدار سنوات عديدة، كان الهدف الدقيق من التعاون الأمني بين مصر والولايات المتحدة غير واضح، ولذلك كانت مقاييس الحكم على نجاحه محيرة. على سبيل المثال، وفقاً لتقرير "مكتب محاسبة الحكومة" الأمريكي الصادر عام 2006 والذي يحمل في طياته الإدانة، "أكد مسؤولون والعديد من الخبراء أن برنامج [المساعدات العسكرية] المقدمة إلى مصر يدعم أهداف السياسة الخارجية والأمنية للولايات المتحدة؛ ومع ذلك، فإن [وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين] لا تقيّمان كيفية إسهام البرنامج في هذه الأهداف على وجه التحديد".

لقد ظل برنامج المساعدات العسكرية [على ما هو] دون أن تُجرى عليه تعديلات تُذكر بسبب ثلاثة عوامل: الخوف من أن تلغي القاهرة المرور التفضيلي للقوات البحرية الأمريكية عبر قناة السويس أو تخفّض تعاونها مع إسرائيل؛ والشعور بأنه على العكس، فإن منع المساعدات العسكرية لا يمنح الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً على تصرفات مصر؛ بالإضافة إلى حقيقة أن الشركات الأمريكية ستعاني وسيحصل المنافسون الأجانب على مكاسب في حال إلغاء المساعدات. ورغم أنه يمكن إخضاع كل سبب من هذه الأسباب للنقاش، حتى لو كانت جميع التأكيدات الثلاثة صحيحة، إلا أنها تقدم أساساً ضعيفاً لأحد أكبر برامج المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن.

ورغم ذلك فإن هذا لا يعني القول بعدم وجود مصالح استراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر، التي ينبغي أن تكون أساساً يقوم عليه التعاون الأمني المثمر. وتشمل هذه المصالح مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وحرية الملاحة، والحاجة إلى واردات الطاقة الآمنة، واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية كدعامة للاستقرار الإقليمي. والشيء الغامض هو ما إذا كان برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية الحالي - الذي يؤكد على منح المعدات الثقيلة ويساهم في ترسيخ القوة السياسية للجيش المصري - قد حسّن من هذه المصالح المتبادلة.

وبدلاً من استئناف البرنامج القديم من خلال البدء بمبلغ المساعدات ووضع قائمة تسوّق تتناسب معه، على واشنطن والقاهرة أن تبدءا بالكتابة على ورقة فارغة، وتصمما برنامجاً للتعاون الأمني يتوافق مع مصالحهما، ثم يحددا ثمن ذلك فيما بعد. ومن الناحية المثالية، ينبغي عليهما أن يشملا حلفاء آخرين في هذه العملية، مالياً وعملياتياً. فإذا كانت القيمة الدولارية للبرنامج الناتج أقل مما تمنحه أمريكا عادة إلى مصر في صورة مساعدات أمنية، فينبغي إحداث التوازن بزيادة المساعدات الاقتصادية. وفي ظل هذا النهج، فإن القدر الأكبر من المساعدات التي تقدمها واشنطن من المرجح أن يشمل جهود التعاون في مكافحة الإرهاب - ولكي يستديم ذلك، يتحتم على الحكومتين أن يتبنيا رؤية مشتركة للإرهاب، بحيث لا تشمل المعارضة السياسية السلمية.

التقدم السياسي وحقوق الإنسان. لقد أسهم الفرح الناتج عن ثورة فبراير 2011 في جعل المسؤولين الغربيين والمصريين على حد سواء يعقدون آمالاً غير واقعية بشأن تحول البلاد. فبينما ينبغي على واشنطن ألا تيأس من الضغط على القاهرة لكي تنتهج مساراً ديموقراطياً، ينبغي عليها أيضاً أن تركز على أهداف واقعية يمكن أن تعمل كتقدم للبناء عليه. يجب أن تشمل بعض الأهداف المباشرة ابتعاد الجيش المصري عن السياسة؛ يتعيّن على السلطات أن تسمح بقيام حملات مفتوحة خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة؛ ويجب أن تلعب السلطة التشريعية دوراً قوياً وأن تكون بمثابة رقيب على السلطة الرئاسية؛ كما يتعينّ على السيسي أن يتعهد بالامتثال بمدد الرئاسة ويفسح المجال أمام تناوب السلطة، الذي سيكون في حد ذاته خروجاً حاداً عما كان عليه الوضع خلال العقود الستة الماضية من تاريخ مصر كما سيكون محل ترحيب [من قبل الجميع].

وحتى في الوقت الذي تضغط فيه واشنطن نحو تحقيق هذه الخطوات الواقعية، عليها أن تواصل الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية. ولكن ينبغي ألا يقتصر هذا الدعم على البيانات، بل يجب أن يهدف إلى مساعدة مصر على بناء مؤسسات ديمقراطية - على سبيل المثال، الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ونظام قانوني عادل يعمل بشكل جيد - لاستبعاد الخيار الزائف بين التطرف والاستبداد. على واشنطن التأكد قدر الإمكان من أن برامج بناء القدرات لها أهداف واضحة، وأن تقّيم فعاليتها بصرامة، وأن تنسّق بينها بصورة متعددة الأطراف لزيادة تأثيرها. كما أن عليها توسيع نطاق التوعية والمشاركة من قبل كبار المسؤولين الأمريكيين لضمان أن لا يتجزأ التواصل مع المجتمع المصري في صورة نشاط "تنموي".

إن هذا أمر بالغ الصعوبة في البيئة السياسية الحالية في مصر، حيث تفسر التحركات الغربية النابعة من المبادئ من منظور الطائفية وكراهية الأجانب، كما يتعرض عمال المساعدات الغربية والصحفيين إلى الاضطهاد. بإمكان الولايات المتحدة أن تحسّن فرص نجاحها بإقامة العلاقة بأكملها على أساس استراتيجي أكثر رسوخاً، وبالتعاون مع حلفاء آخرين ومع المصريين أنفسهم، وباستهداف منتهكي حقوق الإنسان - من وراء الكواليس أو علناً، ويتوقف ذلك على الظروف- بدلاً من جعل العلاقة بأكملها رهينة لتقلبات السياسة المصرية. يجب على واشنطن أن تلقي نظرة شاملة على هذه العملية، وتتوقع أن يكون التقدم بطيئاً.

الاستقرار الاقتصادي والإصلاح. إن من أسوأ الأخطار التي تواجه استقرار مصر - وربما سيادة الحكومة المقبلة - هي حالة البلاد الاقتصادية المتردية. فالتدفق الضخم للمساعدات الخليجية قد ساعد الحكومة الانتقالية على تنشيط الاقتصاد، لكنها أثبتت أنها حل قصير الأجل في أحسن الأحوال، بسبب استمرار البطالة والعجز المالي والتجاري، وعدم حل مشاكل الطاقة، ووجود قيود على النمو الاقتصادي، وتوقف نمو القطاع الخاص.

بالإضافة إلى ذلك، جاءت المساعدات الخليجية دون شروط اقتصادية مصاحبة، وبالتالي فإن ذلك لم يسهم في فرض انضباط مالي على القاهرة بالطريقة التي تقوم عليها المعونة المقدمة من قبل "صندوق النقد الدولي" أو غيرها من المساعدات المتعددة الأطراف، الأمر الذي يجعل أي جهود غربية لربط المساعدات بالظروف الاقتصادية أو السياسية غير مجدية. وفي الوقت الراهن فضّلت دول الخيج المانحة الاستقرارَ قصير المدى وتهميش جماعة «الإخوان المسلمين» على كل شيء آخر.

ومع ذلك، فبعد الانتخابات قد يكون حلفاء واشنطن في الخليج أكثر انفتاحاً على تبني نهج اقتصادي قائم على التنسيق تجاه مصر. فلا يمكن أن تنجح مصر اقتصادياً على المدى الطويل دون إجراء إصلاح هيكلي كبير يعالج الإعانات الضخمة والغير فعالة، والقطاع الحكومي المتضخم، وغيرها من المشاكل. وتؤثر هذه القضايا أيضاً على الاستقرار السياسي والأمني ​​عن طريق تأثيرها على النمو الاقتصادي وفرص العمل والتوظيف.

إن المساعدات الخارجية غير المشروطة قد تساعد مصر على تجاهل مشاكلها على المدى القصير فقط؛ فبدون إصلاح ستثبت مليارات الدولارات التي استثمرتها الإمارات العربية المتحدة والكويت وغيرها في مصر عدم جدواها. على واشنطن أن تسعى لنيل دعم هؤلاء الحلفاء لربط تقديم المزيد من المساعدات الاقتصادية بحزمة إصلاحات هيكلية ومساعدات يقدمها "صندوق النقد الدولي"، والتي قد تتطلب أيضاً من القاهرة إرساء التأييد السياسي الواسع الذي تعذر على حكومة مرسي. فإذا مضت مصر قدماً في تحقيق هذه الإصلاحات، فينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا أن تستعد لاتخاذ خطوات أخرى لتعزيز القطاع الخاص المصري من بينها تقديم الحوافز التجارية والاستثمارية.

الخلاصة

لكي تكون العلاقة المصرية الأمريكية "استراتيجية" حقاً، يجب أن تفهم واشنطن إستراتيجيتها في المنطقة ومكانة مصر فيها. ومثل هذه الاستراتيجية ينبغي أن تشمل تقوية التحالفات الثنائية التي ضعفت [لعدة أسباب]، وتأكيد التعاون الأمني، ​​وتعزيز قدرات الحلفاء، وتعزيز الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي على المدى البعيد. فلكي تنجح السياسة الأمريكية في مصر، يجب ألا تميل إلى هدف من هذه الأهداف على حساب الآخر، بل عليها أن تسعى إلى تعزيز هذه الأهداف معاً- على سبيل المثال، باستخدام تحالف قوي كمنبر للدعوة  إلى الإصلاح والدفاع عن حقوق الإنسان. وفي خضم الاضطرابات الداخلية في مصر، يجب على السياسة العاقلة أن تدرك أيضاً حدود النفوذ الأمريكي في جميع هذه المجالات عبر تبني رؤية طويلة الأجل وتحديد أولويات الدعم الموسع متعدد الأطراف لأي مبادرة سياسية.

 

مايكل سينغ هو المدير الإداري لمعهد واشنطن.