أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2887

هدم نفق بنته حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» داخل إسرائيل

اللواء (المتقاعد) شلومو 'سامي' ترجمان، "جيش الدفاع الإسرائيلي"

متاح أيضاً في English

3 تشرين الثاني/نوفمبر 2017


في 30 تشرين الأول/ أكتوبر، سُمع دوي انفجارات قوية هزّت الهدوء الهش على حدود غزة، في الوقت الذي دمرت فيه القوات الإسرائيلية نفقاً يتم التسلّل منه إلى أراضيها. وقد أسفرت الانفجارات عن مصرع عدد من كبار أعضاء حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» الذين كانوا يديرون النفق، كما قًتل عدد من عناصر حركة «حماس» خلال عمليات الإجلاء اللاحقة.

وعلى الرغم من التصريحات القاسية الصادرة عن حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» أو حكومة «حماس» في غزة، لم يردّ أي منهما بإطلاق النار على إسرائيل. وفي الماضي، كان لا يمكن تصور عدم القيام بعمل مسلح، حيث كانت أحداث من هذا القبيل تتصاعد حتماً إلى إلى عمليات قتالية. لكن، ما الشئ يختلف هذه المرة، وما هي الدروس التي يمكن استخلاصها؟ إن حقيقة قيام إسرائيل بهدم النفق على أراضيها لم تمنع يوماً هذه المنظمات من الادعاء بأن ذلك عمل عدواني. وبعبارة أخرى، لم ينبع قرار عدم إطلاق النار عن أي إدراك بأن تحرّك إسرائيل كان عملاً مشروعاً للدفاع عن النفس. وبالأحرى، دعا كبار مسؤولي «حماس» مثل إسماعيل هنية علنا إلى الانتقام خلال جنازات الناشطين الذين قتلوا في الانفجارات. وبالتالي، فإن عدم اتخاذ أي إجراءات لا بدّ أن يكون متأصلاً في عوامل أخرى.

عملية المصالحة الفلسطينية. قد يكون القرار نتاجاً لنفس الضغوط التي دفعت «حماس» مؤخًراً إلى القيام بجولة أخرى من محادثات المصالحة مع السلطة الفلسطينية، من بينها العزلة السياسية، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في غزة، والضغط المالي المباشر من السلطة الفلسطينية، ووتيرة إعادة الإعمار البطيئة. ويبدو من المستحيل تحقيق مصالحة حقيقية في الوقت الراهن نظراً للواقع الفلسطيني الحالي. ولكن، كلا الفصيلين حريصان على منع عملية المصالحة من الانهيار ولا سيما في مراحلها الأولى. وبعد يوم واحد من حادثة النفق، نقلت «حماس» السلطة على حدود غزة إلى السلطة الفلسطينية، وهي فرصة بالغة الأهمية لم تريد المنظمة بالتأكيد أن تفسدها. وبطبيعة الحال، لا تزال «حماس» تأمل في الحفاظ على سيطرتها على قواتها المسلّحة حتى بعد نقل المسؤوليات المدنية إلى السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يسمح لها باستئناف العمل كمنظمة إرهابية غير مقيّدة بالالتزامات السياسية. ولكن حالياً، ليس من مصلحة المنظّمة أن تتحمل اللوم على انهيار عملية المصالحة.

الردع. في عام 2014، أظهرت "عملية الجرف الصامد" لقادة غزة التكاليف [الباهضة] للحرب. ولم يسترد القطاع عافيته من هذا الصراع حتى الآن. ويعزى ذلك إلى حد كبير، إلى انصباب تركيز حكومة «حماس» على إعادة بناء قوتها العسكرية وقمع المعارضة الشعبية لحكمها. وفي هذه المرحلة، من شأن التصعيد أن يعرّض للخطر سيطرة المنظّمة على السلطة وعلى جهودها لاحتواء حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين».

سوء التوقيت. من وجهة نظر عسكرية، إنّ حركتي «الجهاد الإسلامي» و«حماس» غير مستعدتان لمواجهة كبيرة مع إسرائيل. ويبدو أن المنظمتين تنظران في بناء شبكات نفقيّة واسعة النطاق وعابرة للحدود من أجل شنّ غارات على الأراضي الإسرائيلية، كوْن هذه الشبكات عنصراً حاسماً في استراتيجية الحرب المستقبلية. وربما كان هدم النفق في نهاية الشهر المنصرم قد استبعد من كلا الحركتين أهمّ ركيزة في هذه الاستراتيجية.

عنصر المفاجأة. قد لا تزال «حماس» و حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» تحاولان فهم القدرة التكنولوجيّة المتقدّمة التي أظهرتها القوات الإسرائيلية في اكتشاف النفق السري. وقد عجّلت إسرائيل بناء حاجز مستمر تحت سطح الأرض على طول الحدود مع غزة، وهو مشروع يتضمن تقنيات مختلفة للكشف عن الأنفاق. وتشير حادثة الهدم التي جرت في نهاية الشهر المنصرم إلى أن كلا المنظمتين قد تفاجأتا تماماً. وقد تحاولان الآن الاستفادة من النكسة ووضع خططاً [جديدة] للتصدّي لقدرات الحاجز الجديد قبل الدخول في مواجهة مسلحة.

اتباع إسرائيل سياسة ضبط النفس. هدمت إسرائيل النفق على أراضيها، وامتنعت عن الدخول إلى غزة، كما امتنعت عن إصدار إنذار عام لمواطنيها كما تفعل عادة عقب وقوع أحداث من هذا القبيل. ومن المرجح أن يمنع هذا النهج المنضبط ادّعاء حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» بأن إسرائيل تتأهّب للمواجهة، الأمر الذي سيمكّن «حماس» من مطالبة «الجهاد الإسلامي» بعدم إطلاق النار، على الأقل حالياً.

عزل غزة وسيناء. عملت «حماس» على اتخاذ خطوات استراتيجية نحو قيام علاقات أكثر ودّاً مع مصر. وقد أدّت هذه العلاقة الموطّدة مع القاهرة إلى إلزام «حماس» بقطع العلاقات مع تنظيم «الدولة الإسلامية» («داعش») وعناصر إرهابية أخرى في سيناء. وإذا خفضّت غزّة التعاون مع هذه الجهات الإرهابية، فإن ذلك سيجعل من الصعب على «داعش» استخدام شبه الجزيرة كقاعدة لشنّ هجمات ضد إسرائيل. ولكن، لم يعد هذا النمط من العمليات خياراً متاحاً - وهو النمط الذي استخدمته «حماس» كوسيلة غير مباشرة لتهديد إسرائيل مع تجنب المواجهة المباشرة (على الرغم من أن عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» استمرت بالطبع باستهداف إسرائيل بمفردها).

ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من الحادثة؟

تبرز أربعة دروس بجلاء. أولاً، لم تتمكن «حماس» من استعادة مكانتها العسكرية والمدنية والسياسية السابقة بعد ثلاث سنوات من "عملية الجرف الصامد". وفي الماضي، لم يكن مقتل هذا العدد الكبير من المسؤولين البارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي في فلسطين» قد حدث من دون استجابة مسلحة فوریة.

ثانياَ، إن عملية الهدم تسلّط الضوء على الأهمية المتزايدة للأنفاق في نظر المنظمات الإرهابية الفلسطينية. وتشكّل الأنفاق العابرة للحدود من النوع الذي دمّرته إسرائيل في نهاية تشرين الأول/أكتوبر عنصراَ حيوياَ في استراتيجيتها الهجومية ضد إسرائيل. وبينما تغرق غزة أكثر فأكثر في أزمة اقتصادية، فهي تواصل استثمار الجزء الأكبر من مواردها في البنية التحتية تحت الأرض، بإعطائها إياها الأسبقية على جميع الاحتياجات العسكرية والمدنية الأخرى. وفي الوقت نفسه، فإن عملية الهدم تُلقي الضوء حالياً على سباق التسلّح العلني الذي قد يتسارع بشكل كبير بين حفّار الأنفاق الفلسطينيين والتدابير الإسرائيلية المضادة.

ثالثاَ، قد تدفع عملية الهدم الإرهابيين الفلسطينيين إلى معضلة "استخدام الأنفاق أو فقدانها"، لأن إسرائيل تستطيع كشف الأنفاق وبالتالي قادرة على القضاء على جزء أساسي من استراتيجيتها العسكرية. وهذا يعني أنه حتى لو لم يكن التيار الرئيسي لـ «حماس» مهتماَ بالتصعيد في الوقت الراهن، فقد تبادر حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» أو عناصر راديكالية داخل أي من المنظمتين في مهاجمة إسرائيل عبر الأنفاق على المدى القريب لتحول دون هدر استثمارها الضخم سدى. ومن المرجح أن يكون ضرر مثل هذا الهجوم غير مسبوق في حدّته، ممّا سيقحم إسرائيل في عملية واسعة النطاق داخل غزة.

رابعاَ، وبالرغم من استبعاد المصالحة الفلسطينية الفعلية، إلّا أنّ وجود عملية مصالحة تدريجية بين «حماس» والسلطة الفلسطينية سيسهم في حفظ الاستقرار، طالما يستمر الوضع على هذا النحو. وفضلاً عن ذلك، ثمّة ما يدعو للاعتقاد بأن مصر طلبت من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» عدم الردّ على إسرائيل على أمل الحفاظ على عملية الاستقرار التي عملت كوسيطة فيها منذ البداية. وقد يكون هذا التوجّه نعمة ونقمة في آنٍ واحد، إذ بمجرد أن تحاول الأطراف التعامل مع قضاياها الجوهرية من الخلاف، قد تقرّر «حماس» التهرب من التسوية السياسية، من خلال عودتها إلى المواجهة مع إسرائيل.

المحصلة

طرحت "عملية الجرف الصامد" مفهوم الردع الإسرائيلي الذي بلغ أعلى مستوياته في غزة، والذي أدّى بدوره إلى فترة طويلة من الهدوء النسبي. وقد استخدمت إسرائيل هذه الثغرة بحكمة، وقامت بتطوير تكنولوجيا جديدة أثبتت فعاليتها في نهاية تشرين الأول/أكتوبر.

وفي الوقت نفسه، فإن هذا النجاح الإسرائيلي يمكن أن يضع المنظمات الإرهابية الفلسطينية في موقف صعب قد يدفعها إلى التصعيد رغم مرحلة الردع ما بعد عام 2014، ورغم الأزمات الداخلية المتزايدة في غزة، ورغم عملية المصالحة الفلسطينية الحساسة. وفي هذا الإطار، خدمت "عملية الجرف الصامد"، بشكلٍ أو بآخر، مصالح إسرائيل من خلال منحها الوقت اللازم لاتخاذ المبادرة للدفاع عن حدودها الجنوبية.

 

اللواء (المتقاعد) سامي ترجمان هو زميل عسكري زائر في معهد واشنطن. وقد شغل سابقاً منصب قائد "القيادة الجنوبية" في "جيش الدفاع الإسرائيلي"، وأشرف على العملية الأخيرة في غزة خلال "حملة الجرف الصامد".