المرصد السياسي 1964
التعامل مع الأسلحة الكيميائية السورية: خيارات عسكرية
متاح أيضاً في English
17 تموز/يوليو 2012
ينبغي على واشنطن وحلفائها انتهاج سياسة الردع والمساعدة والاحتواء والتخلص من ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية لمنع استخدامها أو تسريبها، نظراً لتعقيدات العمل العسكري التي تكتنف الوضع الراهن.
أدى العنف المتزايد في سوريا إلي إثارة المخاوف من استخدام نظام الأسد لمخزونه الهائل من الأسلحة الكيميائية ضد المعارضة، أو قيام المتمردين أو تنظيم «القاعدة» أو «حزب الله» أو غيرهم من الدول، المناهضين جميعاً للنظام بتسريب بعض هذه الأسلحة لاستخدامها لصالحهم. وفي هذا الصدد، في السادس عشر من تموز/يوليو حذر نواف الفارس - سفير سوريا السابق في العراق الذي فر مؤخراً إلى المعارضة - من أن النظام سيستخدم الأسلحة الكيميائية إذا ما حوصر. وقد دفعت هذه المخاوف إلى المطالبة باتخاذ إجراءات للتعامل مع هذا التهديد. إلا أن الخبرات السابقة في العراق وليبيا تشير إلى الطبيعة المعقدة لهذه المشكلة العملياتية والمتعلقة بالسياسة العامة.
برنامج الأسلحة الكيميائية السورية
يرجح أن سوريا تمتلك أكبر برنامج للأسلحة الكيميائية وأكثرها تقدماً في العالم العربي، حيث أفادت التقارير أن برنامجها يشمل آلاف قذائف المدفعية الأنبوبية والصاروخية الممتلئة بمواد مسببة للبثور شبيهة بغاز الخردل، إلى جانب آلاف القنابل المليئة بغاز الأعصاب "السارين" وربما غاز "في اكس"، فضلاً عن رؤوس حربية ذات النوع الثنائي والعنقودي المليئة بغاز الأعصاب في جميع أنظمة الصواريخ الرئيسية لديها. ويعتقد أن البنية التحتية لأسلحتها الكيميائية تشمل العديد من منشآت الإنتاج ومواقع تخزين متعددة، معظمها متفرق في النصف الغربي من البلاد. (ويعتقد أيضاً أن سوريا تمتلك برنامج أبحاث وتطوير في مجال الحرب البيولوجية، ومع ذلك لا يعتقد أنها قد أنتجت أسلحة بيولوجية.)
سيناريوهات محتملة
لا يُعرف عن استخدام النظام السوري لأسلحة كيميائية في الماضي، وليس هناك أدلة على الشائعات التي تدور منذ فترة طويلة عن استخدامه لها في مدينة حماة عام 1982. إلا أن هناك حكومات أخرى في المنطقة استخدمت الأسلحة الكيميائية ضد معارضيها المحليين - اليمن أثناء الحرب الأهلية في الستينات من القرن الماضي، والعراق ضد الأكراد والمتمردين الشيعة عامي 1988 و 1991 على التوالي - لذلك فإن هذا السيناريو ليس مستبعداً في سوريا. ومن المرجح، أن تزيد دمشق من استخدامها للمدفعية الثقيلة والطائرات قبل اللجوء إلى الأسلحة الكيميائية، على الرغم من أن الدور المتتنامي لقوات "الشبيحة" شبه العسكرية في القتال يُعقِّد الجهود الرامية إلى تقييم الحسابات السورية فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية.
وهناك سيناريوهات أخرى تفترض مسبقاً انهيار الأمن في منشآت تخزين الأسلحة الكيميائية. على سبيل المثال، بإمكان المتمردين السوريين استخدام ذخائر الأسلحة الكيميائية المستولى عليها ضد قوات النظام (مَثلهم مثل استخدام بعض المتمردين العراقيين لذخيرة الأسلحة الكيميائية المهجورة، في العبوات الناسفة ضد القوات الأمريكية). ويمكن أيضاً تسريب أجزاء من مخزون المواد الكيميائية من قبل تنظيم «القاعدة» أو «حزب الله» أو حتى إيران التي تفيد التقارير بأنها دمرت مخزوناتها من الأسلحة الكيميائية في بداية التسعينيات قبل انضمامها إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وقد يكون تسريب تلك الأسلحة الكيميائية من قبل الأطراف من غير الدول صعباً وقد يشكل خطراً [كبيراً] إذا ما كانت تنقصهم المعدات الوقائية اللازمة والتدريب والدعم اللوجيستي. والمواد السائبة مخزنة في حاويات كبيرة وقد يصعب تسريبها، وقد تتسرب الذخيرة المعبأة إذا كانت ذات جودة رديئة ولم يتم صيانتها بشكل كافٍ. وعلاوة على ذلك فإن الذخيرة من النوع الثنائي تتطلب اثنين من العناصر الكيميائية التي قد تكون مخزنة بشكل منفصل، ولذا فقد لا تكون الأسلحة المسربة من هذا النوع ذات فائدة ما لم يتم الحصول علي كلا العنصرين. وبسبب هذه التعقيدات، قد لا تنظر الجماعات المتمردة المحلية إلى الأسلحة الكيميائية بأنها تستحق كل هذا الجهد للحصول عليها.
وإذا كان هناك خلل أمني في منشآت التخزين فقد لا يسترعي تسريب أعداد صغيرة من الذخيرة أي انتباه، إذا ما تم تسريبها من قبل متمردين محليين مستعدين لتحمل المخاطر التي تنطوي عليها. بيد أفادت التقارير بأن إسرائيل والولايات المتحدة تراقبان عن كثب العديد من المنشآت المتعلقة بالأسلحة الكيميائية السورية، ولذا فقد يصعب تنفيذ عمليات تسريب كبرى دون أن يتم الكشف عنها. وتتطلب عملية تسريب كهذه وجود أشخاص مدربين وجهداً لوجستياً كبيراً - لذلك من المرجح أن تتم ملاحظتها، لا سيما إذا كان هدفها إخراج الأسلحة الكيميائية من البلاد (إلى لبنان، على سبيل المثال).
خيارات عسكرية
باستطاعة إسرائيل والولايات المتحدة ودول معنية اخرى منع تسريب الأسلحة الكيميائية أو استخدامها عن طريق شن غارات جوية على مخابئ هذه الأسلحة (لمنع الوصول إلى المنشآت أو تدمير الذخائر)، أو عن طريق إرسال قوات برية لكي توفر التأمين المادي لمنشآت التخزين. إن أياً من هذين الخيارين يستلزم تحييد الدفاعات الجوية السورية التي تزيد من تعقيد تلك المهمة التي هي صعبة بالفعل.
الهجمات الجوية. سوف تعتمد فاعلية الغارات الجوية بصورة جزئية على جودة المعلومات الاستخباراتية التي توجهها. وفي هذا الصدد توفر العراق وليبيا درساً تحذيرياً - حيث أساءت الاستخبارات الأمريكية تقدير نطاق ومستوى التطور التقني لبرامج الأسلحة الكيميائية في كلا البلدين. وهكذا، نجت معظم ترسانة العراق من الأسلحة الكيميائية في ذلك الحين من حرب الخليج عام 1991، نظراً لافتقار الولايات المتحدة إلى معلومات استخباراتية دقيقة عن البنية التحتية للأسلحة الكيميائية التي كان يمتلكها النظام، وبسبب إزالة العديد من الذخائر من مستودعات التخزين وتفريقها في أراضي مفتوحة قبل اندلاع النزاع. وفي وقت لاحق تم تدمير تلك الأسلحة من قبل العراقيين ومفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة.
وعلى الرغم من أن القصف الجوي المباشر قد يدمر أعداداً كبيرة من ذخيرة الأسلحة الكيميائية السورية إلا أنه يرجح أن تنطلق في الهواء بعض العناصر الكيميائية مما سيعرض حياة المدنيين في المناطق المجاورة للخطر (لكن يمكن التخفيف من مخاطر نقل الهواء للمواد الكيميائية عن طريق شن الغارات أثناء ظروف مناخية مناسبة). وعلاوة على ذلك من المرجح أن يفلت العديد من الذخيرة من هذه الغارات وستُترك بلا حماية مما يجعلها عرضة للسرقة - على افتراض امتلاك اللصوص للمعدات المناسبة الواقية للعمل في بيئة ملوثة. وعوضاً عن ذلك، يمكن إعاقة الدخول إلي مستودعات الأسلحة الكيميائية الواقعة على جوانب الجبال عن طريق قصفها ثم تلغيمها من الجو باستخدام الذخائر العنقودية. ومن شأن ذلك أن يقلل من احتمالية أي إطلاق غير مقصود للمواد مع العمل في الوقت ذاته على منع الوصول إلى الذخائر المدفونة.
وعلى الرغم من هذه القيود المفروضة على الهجمات الجوية، قد تضطر إسرائيل إلى قصف مستودعات خاصة للأسلحة الكيميائية إذا اعتقدت أن «حزب الله» أو تنظيم «القاعدة» يقوم بسرقة الذخائر من هذه المستودعات. كما أنها قد تشن غارة على قافلة لـ «حزب الله» تحمل هذه الذخائر إلى لبنان.
الدفع بالجنود على أرض المعركة. النهج الأكثر انتظاماً لمنع تسريب أو استخدام الذخيرة هو الدفع بقوات العمليات الخاصة والقوات التقليدية للاستيلاء على منشآت الأسلحة الكيميائية المعرضة للخطر وتأمينها. وقد يتطلب ذلك - اعتماداً على مدى الجهود ونطاقها - الدفع بآلاف إن لم يكن عشرات الآلاف من الجنود وإجراء عمليات استخباراتية واستطلاعية فضلاً عن عمليات مراقبة ودعم جوي كبيرة، رغم أن عدد الخمسة وسبعين ألف جندي الذي نسبته بعض وسائل الإعلام إلى واضعي خطط وزارة الدفاع الأمريكية يبدو مبالغاً فيه. ومثل هذه القوة يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد المتمردين وقوات النظام على حد سواء. كما يجب أن تكون قادرة على العمل في بيئة ملوثة فيما إذا قامت قوات النظام بقصف مواقع الأسلحة الكيميائية من أجل تعقيد مهمتها. وعلى الرغم من إمكانية مساهمة حلفاء الولايات المتحدة بثروات عسكرية هامة لمثل هذا الجهد (على سبيل المثال، لواء القوات الخاصة في الأردن)، إلا أنه يجب أن يكون هناك جهداً تقوده الولايات المتحدة، حيث يوجد عدد قليل من الدول الأخرى التي لديها القوات والخبرة المطلوبة لمثل هذه المهمة.
إن تأمين منشآت الأسلحة الكيميائية المعرضة للمخاطر سيكون مجرد البداية لعملية حسابية وتدميرية مطولة قد تستغرق سنوات. كما أن القضاء على الأسلحة الكيميائية أمر صعب بما فيه الكفاية لكي يتم إنجازه في بيئة متسامحة، (على سبيل المثال في أوائل التسعينيات، استغرق تدمير الجزء الأكبر من برنامج الأسلحة الكيميائية في العراق عدة سنوات)، وحتى أكثر من ذلك في بلد لا يزال في حالة حرب. وعلاوة على ذلك، قد يفقد النظام - دون قصد - أثر جزء من مخزون الأسلحة الكيميائية التي بحوزته كما أنه قد يخلط الذخائر الكيميائية بتلك التقليدية، كما حدث في العراق. وهذا صحيح لا سيما إذا قام النظام بتسريب الأسلحة من أجل تأمينها بطريقة أفضل من فوضى الحرب الأهلية.
وبدلاً من ذلك، إذا استخدم النظام السوري أسلحته الكيميائية فقد تضطر الولايات المتحدة إلى التعامل مع تبعات حادث يوقع أعداداً كبيرة من الضحايا. وقد يستلزم ذلك الدفع بعدد صغير من الأفراد الأمريكيين إلى سوريا للمساعدة في إنشاء ممرات أو محاور إنسانية وتسهيل توفير المساعدات الطبية للمصابين.
الخاتمة
نظراً لهذه التعقيدات، فإن السبل المفضلة للتعامل مع مشكلة الأسلحة الكيميائية السورية هي الردع والمساعدة والاحتواء والإزالة.
- الردع. ينبغي على واشنطن أن تقنع نظام الأسد بأن استخدام الأسلحة الكيميائية سوف يغير قواعد اللعبة وقد يؤدي إلى تدخل عسكري دولي فوري. كما ينبغي لها أن تنشر أنباء بين قوات الأمن التابعة للنظام بأنه ستتم ملاحقة الضالعين في استخدام الأسلحة الكيميائية ومعاقبتهم، بينما أولئك الذين يرفضون استخدام تلك الأسلحة سيلقون المساعدة إذا اختاروا الهروب من البلاد أو سيتم إعفائهم من العقاب في حالة سقوط النظام.
- المساعدة. في سبيل التعامل مع خطر تسريب الأسلحة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل بهدوء مع روسيا - اعتماداً على تاريخهما من التعاون في مبادرات عديدة للحد من التهديدات - من أجل أن يعرضا على سوريا وسائل متعددة لتحمل المسؤولية والتحكم في مخزونها من الأسلحة الكيميائية. وفي حين أنه ليس لدى الولايات المتحدة مصلحة في تعزيز وضع الأسد، إلا أن لها مصلحة في احتفاظ النظام بسيطرته على مخزونه من الأسلحة الكيميائية طالما بقي في السلطة (بصورة مماثلة لما عرضته الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي من تكنولوجيا لمساعدتها على تأمين ترسانتها النووية خلال الحرب الباردة، من أجل تجنب الاستخدام العارض أو غير المصرح به).
- الاحتواء. ينبغي على الولايات المتحدة أن تواصل العمل مع جيران سوريا من أجل إحكام السيطرة الأمنية على الحدود وضمان عدم تسرب الأسلحة الكيميائية إلى خارج سوريا. ويشمل ذلك الاستعداد لدعم الجهود العسكرية من جانب الحلفاء لمنع التسريب المنظم للذخائر الكيميائية إلى خارج البلاد.
- الإزالة. وأخيراً، ينبغي على واشنطن - إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل حتى الآن - أن تبدأ بالتخطيط لتحديد مواقع مخزون الأسلحة الكيميائية السورية وبنيتها التحتية وتأمينها وإزالتها إذا فقد النظام السيطرة على منشآت الأسلحة الكيميائية أو إذا تداعت تلك المنشآت كلية. كما ينبغي عليها الاستفادة من دروس العراق وليبيا بثلاثة طرق: أولاً، عن طريق الإعداد لاحتمالية أن تكون المعلومات الاستخباراتية الحالية بشأن الأسلحة الكيميائية السورية غير صحيحة بشكل كبير؛ وثانياً، من خلال الإدراك بأن التخلص من مخزون الأسلحة الكيميائية السوري وبنيتها التحتية قد يتم في ظل ظروف غير مستقرة، بل ربما قد تسودها أجواء العنف قبل أو بعد سقوط النظام؛ ثالثاً، عن طريق دراسة طرق لإيجاد فرص عمل مربحة لمهندسي وعلماء الأسلحة الكيميائية السوريين الرئيسيين (مثلما حدث مع نظرائهم في روسيا والعراق وليبيا) بحيث لا توظفهم دول أخرى محل قلق.
مايكل آيزنشتات هو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.