أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1929

هل يمكن لدول الخليج أن تتدخل في سوريا؟

مايكل نايتس

متاح أيضاً في English

17 نيسان/ أبريل 2012


 

"إذا ما قررت دول الخليج مساعدة المقاومة السورية المسلحة فإن لديها قدراً كبيراً من المعدات والخبرة التي يمكن أن تحقق بها أثراً في الواقع."

 

أظهرت مشاركة الإمارات العربية المتحدة وقطر في الصراع الليبي نشاط "مجلس التعاون الخليجي" وقدرته. ولذا تركزت التكهنات في الأشهر الأخيرة على احتمال قيام تدخل من قبل "مجلس التعاون الخليجي" في الحرب الأهلية السورية. وفي 27 شباط/ فبراير قال رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني لمؤتمر «أصدقاء سوريا» في تونس "يجب أن نفعل كل ما يلزم لمساعدة (المعارضين السوريين) بما في ذلك منحهم أسلحة للدفاع عن أنفسهم." وفي 31 آذار/ مارس كرر وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل هذا التصريح بقوله "تسليح المعارضة (السورية) هو واجب." فما هي القدرات إذن التي يمكن أن تقدمها دول الخليج فيما يخص دعم وكلاء مسلحين؟ وما هي المخاطر المتعلقة بتدخلهم؟

الخلفية

يمكن تقسيم المساعدة الأمنية الخارجية للدول والجماعات التي لا تمثل دولاً إلى فئتين رئيسيتين: الدفاع الخارجي الداخلي والحرب غير التقليدية. ويشمل دعم الدفاع الخارجي الداخلي المساعدة الأمنية المقدمة لحكومة ما بغرض التغلب على جماعات متمردة أو إرهابية بينما تشير الحرب غير التقليدية إلى دعم مقدم من عناصر خارجية لمتمردين. وفي كلتا الحالتين قد يشمل الدعم الأجنبي توفير التدريب أو المعدات أو العمليات وفي بعض الحالات عن طريق المشاركة المباشرة لقوات قتال أجنبية.

ولدى دول "مجلس التعاون الخليجي" سجل مهم في الدفاع الخارجي الداخلي، كما أنها تكتسب بسرعة خبرة في مهام الحرب غير التقليدية. ويُبرز كل من الدفاع الخارجي الداخلي والحرب غير التقليدية التمويل والتكنولوجيا والقوة الجوية والقوات الخاصة وهي الخصائص التي تمتلكها مشيخات الخليج العربي. وبالمثل فإن العناصر التي أعاقت تقليدياً الفعالية العسكرية لدول "مجلس التعاون الخليجي" - وهي الطاقة البشرية المحدودة والعجز عن تعبئة أعداد كبيرة من الوحدات عالية المستوى - قد تقلصت. كما أن قابلية الإنكار الجزئية التي يتيحها استخدام وكلاء عسكريين هي أيضاً أمر مُغر لمشيخات الخليج الحذرة بطبعها.

سوابق للتدخل في سوريا

للسعودية باع طويل فيما يخص حملات الحرب غير التقليدية حيث انخرطت المملكة بشكل مركزي في كل من الحرب الأهلية في شمال اليمن التي استغرقت ثماني سنوات والجهاد ضد السوفيت في أفغانستان الذي دام عقد من الزمن. وفي الصراع اليمني نسقت الرياض برنامجاً جوياً طويل الأمد لإمدادات السلاح كما قدمت مئات الملايين من الدولارات في أفغانستان بشكل دعم (وصل ذروته إلى 630 مليون دولار في عام 1987). ومؤخراً جداً شمل انخراط دول "مجلس التعاون الخليجي" في الدفاع الخارجي الداخلي ومهام الحرب غير التقليدية المزيد من الدول (وخاصة دولة الإمارات وقطر) في الصراعات التالية:

• أفغانستان. منذ عام 2006 تنشر الإمارات مجموعة بحجم كتيبة من القوات الخاصة والآلية في أفغانستان. ويعمل مُكوّن القوات الخاصة في قندهار بالتعاون مع القوات الخاصة الأردنية حيث يقوم بكافة العمليات القتالية ضد مسلحي طالبان. وقد جاء هذا النشر بعد عمليات نشر كبيرة بحجم كتيبة من قوات حفظ السلام من دولة الإمارات في لبنان والصومال والبلقان منذ سبعينيات القرن الماضي.

• اليمن. منذ أن رحلت القوات المصرية من اليمن في عام 1970 لم تقلل السعودية قط من نفوذها على السياسات اليمنية كما أنها تواصل التدخل عسكرياً في هذه البلاد سواء بصورة مباشرة أو عن طريق وكلاء. ففي عام 2009 دشنت الرياض حملة قصف جوي ضد المتمردين الحوثيين في شمال اليمن استمرت تسعة أسابيع مما تسبب في فقدان 137 جندياً خلال الصدامات الناجمة عن ذلك. وفي الآونة الأخيرة، زادت المملكة من دعمها للمساجد السلفية والشيوخ في شمال اليمن بما في ذلك توفير الرواتب والمركبات المدرعة والأسلحة. ومن جانبها قدمت الإمارات قدراً كبيراً من العربات المدرعة والأسلحة لليمن عبر الجيش الأردني بالإضافة إلى تمويل نشر مدربي القوات الخاصة الأردنيين.

• ليبيا. لعبت القوات المسلحة القطرية والإماراتية دوراً رئيسياً في الحملة الأخيرة للإطاحة بمعمر القذافي. فقد نشرت كلتا الدولتين قوات خاصة داخل ليبيا ووضعتها في معمعة القتال. وقد تم استخدام الطائرات القطرية والإماراتية لنقل الأسلحة والمركبات المدرعة للمتمردين الليبيين في بنغازي وجبال نفوسة جنوب طرابلس. وقد كانت كلتا الدولتين منخرطتان بشكل مباشر في تنظيم المقاومة والتنسيق مع القوات الجوية لمنظمة حلف شمال الأطلسي. وكما ذكر رئيس الأركان الإماراتي اللواء الركن حمد بن علي العطية في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 فإن "أعداد القطريين على الأرض كانت بالمئات في كل منطقة (وركزت على) إدارة التدريب وعمليات الاتصال...وتخطيط المعارك." ومنذ سقوط نظام القذافي تتنافس الإمارات وقطر على تقديم أكثر المساعدات الأمنية للحكومة الجديدة والميليشيات الفردية باستخدام أكاديميات التدريب الأردنية والتركية لتوصيل البرامج التدريبية.

• لبنان. منذ عام 2006 قدمت الإمارات إلى لبنان عدة مئات من المركبات وشحنات الأسلحة الصغيرة والذخائر والسترات الواقية من الرصاص ومستلزمات مقاومة الشغب لقوات الشرطة الموازية للجيش. إن اندلاع القتال بين جماعة "فتح الإسلام" المسلحة ووحدات لبنانية في مخيم لاجئين نهر البارد في طرابلس في أيار/ مايو 2007 قد شجع الإمارات على توفير تسع مروحيات جازيل من طرازSA-342L من مخازنها الخاصة تم نشرها في غضون أسبوعين من اندلاع القتال وتم تسليحها ببنادق آلية ومنصات صواريخ غير موجهة وأجهزة استشعار وأنظمة للدفاع عن النفس.

وقد كانت الحلقات الأحدث في التدخل العسكري من جانب دول "مجلس التعاون الخليجي" ذات طبيعة متحفظة أو دفاعية مثل الدعم الخارجي الداخلي لأفغانستان ولبنان واليمن والبحرين وليبيا ما بعد القذافي. ورغم أن حالات الحرب غير التقليدية ضد دولة مستهدفة هي الأقل شيوعاً إلا أن الدعم السعودي كان مركزياً في حملتي التمرد الأطول زمناً في المنطقة بينما يمثل التدخل القطري والإماراتي في ليبيا نقطة تحول في الثقة العسكرية الهجومية التي أظهرتها هاتان الدولتان.

ويبدو أن الصيغة التي تسهل انخراط دول "مجلس التعاون الخليجي" في حرب غير تقليدية ضد دول إقليمية تتكون من ثلاثة عناصر: ضغينة مسبقة أو مصلحة في الإطاحة بالنظام أو تفويض دولي قوي أو حليف قوي رئيسي يدعم العملية، وتعاون شريك إقليمي موثوق ذي قدرة عسكرية قوية (مثل باكستان أو الأردن أو تركيا). وقد أظهرت ليبيا أن دول الخليج يمكن أن تعمل بجرأة عندما تمتلك تفويضاً دولياً وتواجه نظام معزول ولا يحظى بشعبية. كما أن الروابط العسكرية لدول "مجلس التعاون الخليجي" مع مجموعة القوات الخاصة الأردنية قد تُسفر عن مجموعة قوية بشكل خاص فيما يتعلق بالتدخل في سوريا.

التداعيات السياسية

يمكن أن يوفر تدخل دول "مجلس التعاون الخليجي" في الحرب الأهلية في سوريا تعزيزاً قوياً لقدرة "الجيش السوري الحر" المعارض كقوة عسكرية. لكن مثل هذا التدخل سيحدث فقط لو تلقت السعودية وقطر والإمارات تفويضاً من منتدى دولي كبير وأيضاً في حالة التزام الحليف العسكري مثل تركيا أو الأردن بصورة قوية بالمسعى كله. كما أن المساعدة بتقديم السلاح ربما تظل أيضاً على الأرجح غير مباشرة وذات حجم منخفض (مثل القدر الصغير من المال الخليجي الممنوح لمهربي أسلحة لبنانيين وعراقيين) إلى أن تقدم إما الولايات المتحدة أو فرنسا أسلحة مضادة للدبابات وأجهزة اتصالات آمنة وموارد أخرى حيوية.

وربما كان الاعتبار الرئيسي المتعلق بتدخل دول "مجلس التعاون الخليجي" لا يتمثل فيما إذا كان باستطاعته بالفعل أن يؤثر على الصراع أم لا بل الكيفية التي ربما يجسّد بها التدخل الخليجي العربي البيئة المستقبلية في سوريا والمنطقة. ففي أفغانستان ومؤخراً في ليبيا كانت رعاية دول "مجلس التعاون الخليجي" لبعض الوكلاء قد استمرت بعد الصراع وربما كانت لها تداعيات ضارة على الاستقرار والأمن وسيطرة الحكومة المركزية. كما أن دعم الخليج للجماعات المتمردة يميل إلى تمكين التيارات الإسلامية المتطرفة داخل الأوساط المتمردة والسياسية.

وعلاوة على ذلك فإذا انخرطت بالفعل مشيخات الخليج في عمل سري في سوريا فإن الصراعين العراقي والسوري يمكن أن يتداخلا بحيث يواجه المتمردون العرب في كلتا الدولتين حكومات تحت قيادة شيعية وواقعة تحت النفوذ الإيراني. ولو شاءت واشنطن فلن تواجه صعوبة تذكر في ردع دول الخليج عن توفير مساعدات عسكرية كبيرة للمعارضة السورية، حيث يلزم وجود مجموعة هشة من العوامل لتشجيع تلك الدول المتحفظة على العمل في المقام الأول. ولو قُدر أن تحصل دول الخليج على الضوء الأخضر للتدخل عسكرياً في سوريا فإنها ستكسب كثيراً لو نسقت إجراءاتها بشكل وثيق مع دول غربية ذات مصلحة طويلة الأمد في استقرار البلاد.

 

مايكل نايتس هو زميل ليفر في معهد واشنطن، متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران وليبيا واليمن ودول الخليج العربي.