أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

هل يستطيع ترامب فكّ التحالف الروسي-الإيراني؟

آنا بورشفسكايا

متاح أيضاً في English

"ذي تاور"

6 شباط/فبراير 2017


ملخص تنفيذي

يشهد الوقت الحالي تعاوناً غير مسبوق بين روسيا وإيران. فقيادتا البلدين لم تكونا مقربتين إلى هذا الحد خلال 500 عام. وعلى الرغم من انعدام الثقة المتجذّر والتاريخ الحافل بالمنافسة، إلا أن عدد من المصالح المشتركة جمع روسيا وإيران سوية. وأول هذه المصالح هو الهدف الجيوستراتيجي المشترك المتمثل بمعارضة محصلتها صفر مع الغرب، لا سيما الولايات المتحدة.

قد يكون التعاون الروسي-الإيراني قصير الأمد، لكنه قد يلحق في غضون ذلك ضرراً دائماً بمصالح الولايات المتحدة. وسيكون من الصعب إحداث وقيعة بين روسيا وإيران على المدى القريب، لكن هناك بعض الأمور التي يمكن لإدارة ترامب الجديدة القيام بها لتحقيق هذه الغاية. وسنتطرق أولاً إلى عودة روسيا إلى المنطقة.

عندما استلم فلاديمير بوتين السلطة في روسيا عام 2000، بدأ عملية العودة إلى الشرق الأوسط. ولتحقيق ذلك، تعاون مع كافة الأطراف في المنطقة، الأصدقاء والأعداء على السواء. وكانت علاقة روسيا مع إيران جزءاً من هذه الجهود.

ونشأت هذه الإستراتيجية من عداء بوتين تجاه الغرب وقيمه الديمقراطية. فقد رأى أن سياسة روسيا الخارجية هي لعبة قائمة على مبدأ تعادل الأرباح والخسائر وتَصرَّف على هذا النحو. وكانت لديه عدة أسباب لتحسين العلاقات مع إيران، لكن رغبته في الحدّ من نفوذ الغرب وتقريب إيران من روسيا تغلبت على كافة الأسباب الأخرى.

خلال تشرين الأول/أكتوبر عام 2000، أي بعد وقت قصير من توليه منصبه، ألغى بوتين علناً اتفاقية "غور- تشيرنوميردين" المبرمة في عام 1995 التي حدّت من مبيعات روسيا من الأسلحة التقليدية إلى إيران. وقد أشارت تقارير صحفية إلى أنه من الناحية التطبيقية منحت الاتفاقية روسيا "الضوء الأخضر لبيع الأسلحة التقليدية إلى إيران" حتى عام 1999، لكن إلغاء الاتفاقية علناً حمل رسالة مفادها أن بوتين يريد التعاون بشكل أوثق مع الجمهورية الإسلامية.

وسعى بوتين أيضاً إلى تحسين العلاقات مع الجمهورية الإسلامية لأسباب اقتصادية. فقد شكلت إيران سوقاً مربحاً بالنسبة للجيش الروسي، وتجارة الأسلحة، كما استمر التعاون في المجال النووي في التوسع. بالإضافة إلى ذلك، جمعت الدولتان معارضة قوية للإسلام السني. فقد ساعد موقف متشدّد ضد الإرهاب على وصول بوتين إلى السلطة في آذار/مارس 2000 بعدما هزّت سلسلة من تفجيرات الشقق موسكو والعديد من المدن الأخرى في أيلول/سبتمبر 1999. فألقى بوتين اللوم على الفور على الشيشانيين وأعلن حرباً ثانية على الشيشان، على الرغم من أن أدلة كثيرة كانت قد  أشارت إلى أن بوتين وجهاز الاستخبارات الرئيسي في بلاده "خدمة الأمن الاتحادية" ربما يكونان من دبّر الهجمات. وفي أي حال، أدّت بالفعل انتهاكات حقوق الإنسان التي مارستها موسكو في حرب الشيشان الأولى إلى تحويل قضية انفصال الشيشان العلمانية إلى قضية إسلامية متطرفة.

ويُعتبر غالبية مسلمي روسيا من السنّة، كما أن التصدي للتطرف السني كان ضمن لائحة سياسات بوتين الرسمية منذ البداية. وقد شاركته إيران الشيعية هذا القلق. وبالفعل، إدّعى خبراء ومسؤولون روس أن إيران هي قوة "علمانية" محتملة بإمكانها المساعدة على مواجهة الإسلاميين السنّة. وأدّى ذلك إلى ازدواجية المعايير المعتمدة تجاه السنّة مقابل الإرهاب الشيعي. فعلى سبيل المثال، في شباط/فبراير 2003، أعلنت المحكمة العليا في روسيا أن جماعة «الإخوان المسلمين» السنية هي منظمة إرهابية، في حين لم تصنف «حزب الله» الشيعي على هذا النحو. وعلى الرغم أنه من الناحية العملية كان بوتين على استعداد للعمل مع الإسلاميين السنّة مثله مثل أي شخص آخر، إلا أنه اعتمد موقفاً مغايراً محلياً.

وبالطبع، بقيت العلاقة بين روسيا وإيران تواجه صعوبات. فمنذ عام 2006، سعت موسكو إلى تخفيف العقوبات ضد إيران. ومن ناحيتها، كانت الجمهورية الإسلامية تفضل لو أن روسيا لم تدعم أساساً فرض هذه العقوبات. وشعرت طهران أيضاً بأنه تم ازدراءها عندما قامت موسكو، تحت ضغط من الولايات المتحدة وإسرائيل، بتجميد بيع منظومة الدفاع الجوي "أس 300" إلى إيران في عام 2010.

ومع ذلك، في عام 2013، ارتقى التعاون الروسي-الإيراني إلى مستوى جديد كلياً إذ تلاقت المصالح السياسية بين البلدين أكثر من أي وقت مضى.

في عام 2012، بدأ بوتين ولاية رئاسية ثالثة وسط احتجاجات شعبية ضده وضد حزبه "حزب روسيا المتحدة". فأطلق بوتين حملة قمع محلية وحمّل وزارة الخارجية الأمريكية مسؤولية "منح الضوء الأخضر" إلى المحتجين للخروج إلى الشوارع. ولم يكن قادراً حتى على فهم إمكانية قيام الناس بالاجتجاج بشكل مستقل. وأصبح الخوف من اندلاع تظاهرات محلية في أي مكان وفي أي وقت هو ما يحرك الآن إلى حدّ كبير دفة سياسته الداخلية التي تتماشى مع سياسته الخارجية. ففي روسيا، أصبح الخط الذي يفصل بين السياستين غير واضح إلى درجة يصعب تصوّرها في الغرب.

ويعتقد بوتين أن الغرب يقف وراء كافة الاحتجاجات في أراضي الاتحاد السوفياتي سابقاً والشرق الأوسط، وأن بلاده ستكون التالية. وهذه هي إحدى الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى دعم نظام الأسد في سوريا مهما كان الثمن. وقد قرّب ذلك بدوره موسكو من طهران على وجه الخصوص. فبوتين يعتقد أنه في موقع أقوى لمواجهة الغرب في الشرق الأوسط إذا ما تحالف مع إيران.

وقد برزت روسيا أيضاً كجهة مؤثرة ضمن مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» التي تفاوضت بشأن الاتفاق النووي مع إيران، لا سيما في سياق انسحاب الغرب من الشرق الأوسط. وقد سعى بوتين وراء تحقيق مصلحته الشخصية في المحادثات: فمن شأن قيام اتفاق مع إيران أن يفتح المزيد من الفرص للتعاون. فمن ناحية، قد تفضل روسيا عدم امتلاك إيران أسلحة نووية؛ وكان من السهل إقناعها بالمشاركة في المحادثات لكبح برنامج طهران النووي. ومن جهة أخرى، شعرت موسكو بأن البرنامج أقل تهديداً لها من الغرب، ووضعت في النهاية رغبتها في مواجهة الغرب فوق كل اعتبار. ومن وجهة نظر الدول الغربية، قد لا يكون ذلك منطقياً، لكن موسكو غالباً ما تتجاهل المخاطر الحقيقية وتضخم تلك الوهمية - الأمر الذي يفسر هاجسها من التهديد المحتمل لمنظمة حلف شمال الأطلسي.

وتتشارك روسيا وإيران أيضاً القلق إزاء عودة ظهور حركة "طالبان" في أفغانستان في أعقاب خطط الرئيس أوباما بسحب القوات الأمريكية بحلول عام 2014. ومن المفارقات، أن بوتين أراد أن تبقى الولايات المتحدة في أفغانستان أكثر مما كانت ترغب به هذه الأخيرة - لكن بشروط بوتين. فقد تأثرت روسيا وإيران بعمليات تهريب المخدرات من أفغانستان، واعتبرتا حركة "طالبان"، التي تُعتبر تقليدياً معادية للشيعة والروس على السواء، عدواً محتملاً.

ووفقاً لمصادر روسية، ناقش مسؤولون روس وإيرانيون في ربيع عام 2013، فكرة انضمام طهران إلى "الاتحاد الجمركي الأوراسي" بقيادة موسكو خلال ندوة عُقدت في العاصمة الإيرانية بعنوان "إيران والتعاون الإقليمي في أوراسيا". وقد شارك وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي في الندوة وتردّد أنه تحدث عن استفادة بلاده من تنمية وتوسيع مبدأ إقامة علاقات مع دول أوراسيا - نسخة بوتين البديلة عن الليبرالية الغربية. ويمثّل "الاتحاد الجمركي" بشكل خاص، و"الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي" الذي تلاه عام 2014، جزءاً من جهود بوتين الرامية إلى موازنة نفوذ الاتحاد الأوروبي. وقد يكون ذلك مجرد كلام، لكن واقع إجراء النقاش اكتسى أهمية بحدّ ذاته. وفي هذا الصدد، لم يعرض بوتين أبداً السماح لأي بلد عربي بالانضمام إلى "الاتحاد الجمركي"، كما أن إيران لم تكن يوماً جزءاً من دول الاتحاد السوفياتي، شأنها شأن الدول الأعضاء الأخرى.

وفي آذار/مارس 2014، ضمّت موسكو شبه جزيرة القرم وبدأت بتنفيذ أنشطة مزعزعة للاستقرار في شرق أوكرانيا. ورداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على روسيا. فتدهورت العلاقات الأمريكية-الروسية إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة، مما زاد حاجة بوتين إلى حلفاء معادين للغرب. وقد كانت إيران مناسبة تماماً للاضطلاع بهذا الدور، وواقع أن حلفاء أمريكا هم تقليدياً من السنّة عزّز جاذبية الجمهورية الإسلامية.

وفي كانون الثاني/يناير 2015، زار وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إيران، كما قام بوتين بزيارتها في تشرين الثاني/نوفمبر - وهي زيارتان الأولى من نوعهما خلال ما لا يقل عن عقد من الزمن. وبعد اللقاءان، أشاد المرشد الأعلى علي خامنئي ببوتين لإقدامه على "إبطال مؤامرات واشنطن". ومن جهته، أثار بوتين من جديد موضوع التعاون الإيراني مع "الاتحاد الجمركي"، وعرض خط ائتمان بقيمة 5 مليارات دولار، وناقش توسيع نطاق التجارة الثنائية. كما سلّط الضوء على دور إيران الإيجابي كونها "حليفاً جديراً بالثقة ويمكن الاعتماد عليه"، حيث أظهر مرة أخرى أولويته الحقيقية في جر إيران إلى دائرة نفوذه. هذا وقد اجتمع بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني عدة مرات منذ عام 2015، وكذلك فعل وزراؤهما ومساعدوهما. وجاءت الاجتماعات اللاحقة على مستوى عال وأصبحت الآن شبه روتينية.      

وإذ اكتسبت المفاوضات بشأن الاتفاق النووي زخماً، سلّط الكرملين الضوء على دور روسيا الذي لا غنى عنه فيها. وحين تمّ توقيع الاتفاق في تموز/يوليو 2015، أشاد به بوتين وأكد مشاركة روسيا في العملية. غير أن الحبر لم يكد يجف من الاتفاق حتى رفع بوتين التجميد المفروض على بيع صواريخ "أس 300" وبدأ التسليم في نيسان/أبريل 2015، على الرغم من المخاوف الإسرائيلية في هذا الخصوص. وفي حزيران/يونيو 2016، دعا بوتين إلى قبول إيران إلى "منظمة شانغهاي للتعاون"، وهو أمر لم يدعو إليه أي دولة عربية من قبل، تماماً كما هو الحال مع "الاتحاد الجمركي".

وفي آب/أغسطس 2016، فاجأت موسكو العالم - والكثيرين في إيران - عندما أفادت بعض التقارير أنها استخدمت قاعدة همدان الجوية الإيرانية لضرب أهداف في سوريا، وكانت آخر مرة اتخذت فيها قوة أجنبية من إيران مقراً لعملياتها خلال الحرب العالمية الثانية. واستفاضت وسائل الإعلام الروسية بالثناء على التعاون الروسي-الإيراني في محاربة الإرهاب. أما في سياق الغضب العام الذي عمّ إيران، فقد اتهم وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان موسكو بأنها تصرفت بشكل "غير لائق" حين نشرت أمر استخدامها للقاعدة الجوية. غير أنه بعد أيام قليلة فقط، قال رئيس "مجلس الشورى" علي لاريجاني إنه "لم يتمّ تعليق رحلات [الطائرات الحربية الروسية]. إن إيران وروسيا حليفتان في الحرب على الإرهاب"، رغم أن قاعدة همدان الجوية "استخدمت فقط للتزوّد بالوقود"، على حد زعمه.

وخلال الشهر التالي، أعلن بوتين أن الأمر سيكون "عادلاً" إذا وصل إنتاج النفط في إيران إلى مستويات ما قبل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، بدأ بمناقشة اتفاق أسلحة بقيمة 10 مليارات دولار. وفي أواخر كانون الأول/ديسمبر، استمرت المناقشات بشأن قبول إيران إلى "الاتحاد الجمركي". وأفاد عدد من المصادر الروسية أن إيران تأمل في الاقتراب أكثر من الاتحاد والاستفادة من التجارة الحرة مع الدول الأعضاء فيه. وفي الشهر نفسه، سافر روحاني إلى أرمينيا - إحدى الدول الأعضاء في "الاتحاد الجمركي" - ظاهرياً لتحسين العلاقات، ووقّع عدداً من الاتفاقات، علماً بأنها كانت زيارة روحاني الأولى إلى أرمينيا كرئيس البلاد.

وعندما يتعلق الأمر بالنظرة الإيرانية إلى روسيا، تفيد بعض المصادر أن البلدين اتفقا على مسائل مرتبطة بالإرهاب وأن الجمهورية الإسلامية تعتبر السياسات الروسية في سوريا "حكيمة".

وفي الوقت الراهن، سيكون من الصعب إحداث شرخ بين روسيا وإيران. فهناك الكثير من المصالح التي تجمعهما معاً ومن المرجّح أن يستمرا في وضع انعدام الثقة التاريخي جانباً، حتى في الوقت الذي لا تزال مخاوف طهران المتواصلة والمبررة تاريخياً بأن موسكو ستضحي بإيران، تقوّض هذه العلاقة.

ومن وجهة نظر موسكو، لطالما كانت الولايات المتحدة دولة عدوة وستبقى كذلك، بغض النظر عن المحاولات الحثيثة التي قد يقوم بها أي رئيس أمريكي لتحسين العلاقات بين البلدين. وتجدر الملاحظة أن بوتين يحتاج إلى أن تكون الولايات المتحدة عدوة من أجل تبرير المشاكل المحلية في بلاده ويعتبر أن النظام الجيوسياسي الحالي، الذي رسخته الولايات المتحدة، يلحق الضرر به. ولا شيء سيرضي بوتين سوى إعادة ترتيب هذا النظام.

وبالنسبة للرئيس ترامب، فقد عبّر عن سياستين متناقضتين خلال حملته الرئاسية: التشدّد حيال إيران وتحسين العلاقات مع روسيا. ولا يتماشى هذان الهدفان معاً حيث يرغب بوتين بإقامة شراكة مع ترامب في سوريا، لكن سوريا هي المكان الذي يتحالف فيه بوتين بشكل وثيق مع إيران. ومن أجل التفريق بين إيران وروسيا، يجب على ترامب أن يحل هذا التناقض. كما أن محادثات السلام بشأن سوريا التي جرت مؤخراً في كازاخستان لم تفضِ سوى إلى توطيد العلاقة بين روسيا وإيران، نظراً إلى تعهدهما بأن يحاربا "معاً" تنظيم «الدولة الإسلامية» و «جبهة فتح الشام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة». كما أن هذا التطور سيجعل التحالف مع روسيا بشأن سوريا حتى أكثر صعوبة على ترامب.

وحتى الآن، نجح بوتين في تحقيق التوازن بين المصالح الإسرائيلية والسنّية مع علاقته المتنامية مع إيران. لكن من غير الواضح إلى متى يمكن لبوتين الحفاظ على هذه السياسة. ولا شكّ في أن بوتين لم يتردد في التغاضي عن مصالح إسرائيل حين تعلّق الأمر ببيع  صواريخ "أس 300" إلى إيران. وفي الواقع، أنه ليس من مصلحة إسرائيل أن يواصل بوتين دعم الأسد وبالتالي توسيع رقعة نفوذ إيران في الشرق الأوسط. بإمكان إدارة ترامب تشجيع حلفاء الولايات المتحدة، مثل إسرائيل، ودعمهم، من أجل جعل الأمور أكثر صعوبة على بوتين في الحفاظ على توازن العلاقات الجيدة مع جميع الأطراف. كما يتوجب عليها زيادة التعاون الأمني مع حلفائها لإظهار التزامها المستمر تجاه المنطقة.

وعلى المدى الطويل، تتباين مواقف روسيا وإيران بعض الشيء حيال سوريا. فإيران ترى سوريا ضمن منطقة نفوذها، وهذا لا يختلف كثيراً عن نظرة بوتين إلى دول الاتحاد السوفياتي السابقة التي لا يعتبرها دولاً فعلية. كما أن إيران مهتمة بمفاقمة الانقسامات الطائفية في سوريا لكي يصبح نظام الأسد دولة تابعة لإيران لا يمكنها اتخاذ قرارات مستقلة. كما أن إيران أقرب إلى الأسد نفسه من بوتين الذي يرغب ببساطة في أن يضمن الأسد أو أي شخص آخر مثله مصالح روسيا في سوريا. فما يهمه هو كيفية الاستفادة من سوريا في علاقاته مع الغرب أكثر مما تهمه سوريا بحدّ ذاتها. وفي الوقت نفسه، يرى بوتين أيضاً وعلى نحو متزايد أن الشرق الأوسط ضمن منطقة نفوذ روسيا، ولو بشكل مختلف عن إيران. وتاريخياً، لطالما سعت موسكو إلى إقامة مناطق عازلة بسبب شعورها بعدم الأمان، وهذا تماماً ما تشعر به الآن.

كما بإمكان إدارة ترامب أن توضح لبوتين بأن المصالح الروسية والإيرانية في سوريا لا بد أن تتصادم في المستقبل، ولا يمكن بالتالي لأي تحالف مع إيران أن يحرز تقدماً أكبر. لكن الأهم من ذلك كله، هو ضرورة وجود الولايات المتحدة في المنطقة واستعادة موقعها القيادي فيها. فبوتين يستغل الضعفاء وينظر إلى الولايات المتحدة على أنها ضعيفة منذ سنوات. وقد استفاد من الفراغ في الشرق الأوسط الذي خلّفه غياب الولايات المتحدة، لا سيما في سوريا. ومن خلال اضطلاع واشنطن بدور فعال في المنطقة، فإنها ستحدّ من نفوذ بوتين، بما في ذلك تحالفه مع إيران.     

 

آنا بورشفسكايا هي زميلة "آيرا وينر" في معهد واشنطن.