أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

الاستعداد لمواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا

إهود يعاري

متاح أيضاً في English

"أمريكان انترست"

30 نيسان/أبريل 2018


تسير إسرائيل وإيران نحو تصادم في المستقبل القريب. وبالفعل، يبدو أن صداماً مسلحاً قد يتوسّع إلى ما هو أبعد من الأراضي السورية أمراً محتّماً تقريباً. وعلى وجه الخصوص ، إن «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني مصمم على تحويل سوريا إلى منصة حرب مستقبلية ضد إسرائيل، التي أقسم قادتها على منع ما يصفونه غالباً بتضييق الخناق على إسرائيل.   

وبالفعل، شهدت السنوات الخمس الماضية سلسلةً من الصدامات المباشرة بين القوتين. وشملت هذه أكثر من 120 غارة نفّذها "سلاح الجو الإسرائيلي" على شحنات أسلحة متجهة إلى «حزب الله»، وجهود إيرانية للتحريض على حوادث عبر الحدود على طول مرتفعات الجولان، بالإضافةً إلى استهداف إسرائيل لمرافق تصنيع الأسلحة التي أنشأتها إيران. وفي أوائل عام 2018، تصاعدت وتيرة هذه الصدامات لتشمل ضربات جوية إسرائيلية على منشآت إيرانية لتصنيع طائرات بدون طيار في عمق الصحراء السورية في قاعدة "التياس" الجوية (T-4)، ومحاولة إيرانية أولى لشن هجوم باستخدام طائرة مسلّحة بدون طيار على إسرائيل.    

وكانت إيران قد تعهدت علناً بانتقام قاسٍ رداً على الضربة الإسرائيلية في كانون الثاني/يناير التي أسفرت عن مقتل ثمانية ضباط إيرانيين، من بينهم قائد وحدة الطائرات بدون طيار العقيد مهدي دهقان. وفي غضون ذلك، هدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على نحو غامض بأن أي مواجهة في سوريا قد تدفع إسرائيل إلى استهداف الأراضي الإيرانية. كما قدّم إنذاراً نهائياً من نوع ما إلى بشار الأسد، أشار فيه إلى أن إذعان الرئيس السوري المستمر لإقامة قواعد عسكرية إيرانية في جميع أنحاء بلاده سترغم إسرائيل على وضع حد لسياستها المتمثلة بعدم التدخل في الحرب السورية. ومثل هذا التغيير من شأنه أن يسفر عن توجيه ضربات عسكرية مباشرة ضد النظام، الذي كان الحفاظ عليه هدف طهران الرئيسي في المنطقة. وبالطبع، سيحمل مثل هذا التغيير في سياسة إسرائيل خطر التسبب بتدخل روسي لمنع تنحية الأسد من منصبه. وفي سياق مرتبط، سبق أن ألمحت موسكو إلى أنها قد تزوّد سوريا بنظام الدفاع الجوي المتقدم "أس-300" - المجهّز على الأرجح بأفراد عسكريين روس - الأمر الذي من شأنه أن يعقّد غارات "سلاح الجو الإسرائيلي" على البلاد. وفي الأسابيع الأخيرة، لم تُبدِ إسرائيل أو إيران أي نية لإعادة تقييم موقفهما، كما أن خطابهما القتالي أصبح حدثاً يومياً تقريباً.           

وفي هذا الصدد، ولا يزال يتعيّن على القوى الخارجية بذل جهود حثيثة لوقف التصعيد. فالولايات المتحدة تدعم العمليات الاستباقية الإسرائيلية ضد القوات الإيرانية في سوريا، في حين اقتصرت روسيا على تقديم المشورة لكلا الطرفين للامتناع عن توسيع نطاق الصدامات. وعلى الرغم من أن الرئيس فلاديمير بوتين على اتصال وثيق مع كل من نتنياهو والرئيس حسن روحاني، إلّا أنّه لم يعرض أبداً الوساطة بين الجانبين. فضلاً عن ذلك، لم يصدر أي توجيهات إلى طيّاريه، المتمركزين بشكل رئيسي قرب اللاذقية، للتدخل في الضربات الإسرائيلية أو وقف إيران من توسيع بنيتها التحتية العسكرية في سوريا. ويعتقد بوتين على ما يبدو أنه ما زال بإمكانه استغلال المنافسة الإسرائيلية - الإيرانية لمصلحته الخاصة.    

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في آذار/مارس 2011، كانت إسرائيل وإيران على طرفي نقيض من الصراع. وعلى الرغم من الشكوك العميقة التي تعتري إسرائيل حول عدد كبير من جماعات المتمردين السنّة التي تقوم بالانتفاضة ضد الأسد، إلّا أنّها تتوق لرؤية سقوط الأسد. ومن هذا المنطلق، فمن شأن الإطاحة بنظام الأسد أن تحرّم إيران مما أسماه المرشد الأعلى علي خامنئي "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة" ضد إسرائيل. فخسارة إيران لسوريا - عقب استثمار ما لا يقل عن 20 مليار دولار لدعم النظام - قد تقلّص قوة وكيلها القوي «حزب الله» وتجعله جهة فاعلة معزولة في لبنان ومفصولة عن مصادر دعمها وعتادها القائمة في سوريا. وبالتالي، ستُمنع إيران من تنفيذ خطتها في المنطقة، الرامية إلى إحاطة إسرائيل بحلفاء إيران، وبناء ممرات برية تمتد من حدودها على طول الطريق إلى الغرب حتى البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، اختارت القيادة الإسرائيلية - مع دعم مستمر من جنرالات "جيش الدفاع الإسرائيلي" - عدم اتخاذ أي خطوات من أجل تسريع انهيار نظام الأسد، مستندةً غالباً وبشكل ضمني على حجة " الشيطان الذي نعرفه".    

ومع ذلك، وضع نتنياهو مجموعةً من الخطوط الحمراء، هي: نقل أسلحة جديدة و"مغيرة للّعبة" عبر سوريا إلى «حزب الله»، وبالتحديد صواريخ دقيقة التوجيه؛ وأي محاولة لفتح جبهة جديدة للعمليات الإرهابية على طول الخط الفاصل في الجولان، حيث تعتزم إسرائيل الحفاظ على الهدوء. لكن إسرائيل لم تتخذ أي خطوات للحدّ من قوة الأسد أو تهديد أصول النظام بعيداً عن انتشار إيران و «حزب الله» في سوريا خارج هذه الخطوط الحمراء. وقد رفض كل من مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي وهيئة الأركان العامة لـ "جيش الدفاع الإسرائيلي" مراراً الاقتراحات بتجهيز بعض فصائل المتمردين غير الجهاديين بالأسلحة التي هم بأمسّ الحاجة إليها لمحاربة فلول الجيش السوري والميليشيات المدعومة من إيران، والتي يبلغ قوامها حوالي 40 ألف عنصر. ويأتي ذلك على الرغم من نداءات قادة المتمردين بالحصول على صواريخ مضادة للدبابات ومضادة للطائرات ومدافع الهاون الثقيلة والمدفعية الخفيفة. بيد، كان لدى عدد قليل من مسؤولي الأمن الإسرائيليين شعور في وقت مبكر بأنه من خلال تقديم مساعدة عسكرية متواضعة إلى جماعات من المتمردين، يتم التدقيق من خلفية أفرادها، في محافظتي القنيطرة ودرعا، سيكون بإمكانهم مساعدة هؤلاء المقاتلين على التغلب على الوحدات المستنزفة التابعة لـ"الفيلق الأول" في الجيش السوري المتمركز على مقربة من الحدود السورية مع إسرائيل والأردن ودمشق شمالاً. وكانت وحدات الجيش السوري الخمس المنتشرة تقليدياً في هذه المنطقة قد تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح وواجهت انشقاقات وإخفاق في التجنيد. وبالنسبة للمسؤولين الإسرائيليين الذين فضلوا تسليح المتمردين، تمثلت الفكرة في تشجيعهم على الاستيلاء على هذه الرقعة وتمسكهم بهذا الخط على طول الطرق الجنوبية المؤدية نحو العاصمة السورية، وهي مناطق تضمّ معاقل الأسد في الكسوة وقطنا وكناكر. ومن شأن وجود خط تمرد قوي في هذه المنطقة أن يخفف الضغط عن ألوية المتمردين النشطة في قطاعات أخرى محيطة بدمشق وإرغام الأسد على تقسيم قواته الضعيفة للغاية. وأشار البعض إلى أن استيلاء المتمردين على جنوب سوريا سيسفر عن إقامة منطقة عازلة واسعة بين إسرائيل والقوات المدعومة من إيران. لكن مثل هذه الخطة لم تتبلور قط بسبب رفض نتنياهو الانغماس في المستنقع السوري وتعريض الإسرائيليين إلى نيران انتقامية من عبر الحدود.

ومن خلال استعادة الأحداث الماضية والتأمل فيها، يمكن أن يُعزى هذا التردد من قبل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى حرب لبنان الأولى عام 1982 حين فشلت إسرائيل في تسهيل تغيير النظام في بيروت ثم اضطرت لاحقاً إلى التنازل عن الحزام الأمني القائم على طول الحدود والتخلي عن "جيش لبنان الجنوبي" - الميليشيا المحلية التي كانت عاملة هناك. وانطلاقاً من تلك التجربة، استوعب معظم المسؤولين الإسرائيليين الدرس الذي مفاده بأنه لا بدّ من تجنب المغامرات خارج حدود إسرائيل، فضلاً عن التشكك في فعالية الاستثمار في ميليشيات أجنبية وكيلة.    

وأياً كانت [أسباب] معارضة الضباط الإسرائيليين لتمويل المتمردين السوريين بشكل فعلي، فقد حافظوا على حوار مستمر مع عدد من هذه الجماعات. وغالباً ما تمثلت تقييماتهم بأن هذه الجماعات متشرذمة للغاية، وتميل نحو الإيديولوجيا الجهادية بدرجات متفاوتة. وكانت المحصلة النهائية بالنسبة لإسرائيل بأنه حتى في الحالات التي انضمت فيها جماعات المتمردين من مختلف المدن إلى تحالفات على غرار "الجبهة الجنوبية"، لم تضمن نجاح الاستثمار.  

ومع ذلك، وفي محاولتها الحفاظ على الهدوء في جبهة الجولان وتجنّب تدفق اللاجئين، قامت إسرائيل منذ عام 2013 بشكل تدريجي بتطوير برنامج مساعدات إنسانية للقرى القريبة من الحدود التي تخضع لسيطرة المتمردين. وقد تم توسيع البرنامج ببطء بحيث أصبح يطال الآن ما يقرب  300 ألف شخص من سكان القنيطرة، وبدرجة أقل، محافظة درعا. وينطوي هذا البرنامج - الذي يُعد أكثر كافة الجهود الإنسانية المماثلة في سوريا نجاحاً - على تقديم العلاج الطبي للآلاف في المستشفيات داخل إسرائيل إضافةً إلى عمليات تسليم كبيرة عبر الحدود لمواد غذائية ووقود وملابس وغيرها من الإمدادات. وفي حزيران/يونيو 2016، تمّ دمج هذا البرنامج تحت رعاية وحدة خاصة باسم عملية "حسن الجوار" التي بدورها تشكّل جزءاً من "الفرقة الإقليمية 420" المسؤولة عن الحدود. ويتم دخول السوريين الذين يسعون للحصول على الرعاية الطبية وكذلك تسليم المساعدات عبر الحدود أثناء الليل ويتولى تنسيقها مسؤولون في الاستخبارات الإسرائيلية مع مجموعة من قادة الثوار وزعماء المجتمعات في الجانب الآخر.    

وقد ساعد هذا الجهد على الحفاظ على الهدوء على الجانب الإسرائيلي من الحدود، حتى خلال فترات القتال العنيف القريب جداً من الخطوط الأمامية. لكن في غياب مساعدة عسكرية كبيرة، أثبت المتمردون عدم قدرتهم على تحقيق النصر في أي معارك هامة ضد الجيش السوري خلال السنوات الأربع الماضية، كما لم تتغير السيطرة على جنوب سوريا خلال الفترة نفسها. فعاصمتا المحافظة - القنيطرة ودرعا - تخضعان لنفوذ الأسد، في حين أن المناطق الريفية منقسمة. أما الأجزاء الغربية المتاخمة للجولان الإسرائيلي، فقد أصبحت منطقة نفوذ إسرائيلية بحكم الأمر الواقع حيث يتجنب الجيش السوري والميليشيات الحليفة له شنّ أي هجمات كبيرة، بينما لا تسيّر القوات الجوية الروسية طائراتها. ويبقى الجيب الصغير الذي يسيطر عليه تنظيم «الدولة الإسلامية» في القطاع الواقع أقصى جنوب حدود الجولان، على طول القسم الغربي من نهر اليرموك، معزولاً إلى حدّ كبير ولا يشكل بعد تهديداً حقيقياً لإسرائيل أو فصائل المتمردين المجاورة.   

كما أن سياسة الحذر التي تنتهجها إسرائيل، إلى حدّ ما، جاءت نتيجة التفاهم في القدس حيث تمسّك الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما برفضه اعتماد أي توصيات من قبل بعض كبار مستشاريه بتكثيف الدعم لجماعات المتمردين واعتماد موقف صارم معادٍ للأسد. فقد شعر الإسرائيليون في ذلك الوقت أنه من دون قيادة أمريكية، يتعذّر تحقيق الهدف المتمثل بالإطاحة بنظام الأسد. كما كان الإسرائيليون على دراية بمساعدة الأردن الفاترة للمتمردين من القبائل في منطقة حوران، التي تربطها علاقات تقليدية بالعائلة الملكية الهاشمية. علاوةً على ذلك، كان التمويل من دول الخليج لمجموعة من ائتلافات المتمردين يميل إلى إعطاء الأولوية إلى أولئك الناشطين في وسط وشمال سوريا، في حين أن التمويل المتواضع المقدّم إلى فصائل المتمردين جنوب دمشق كان منسقاً بشكل سيئ وكثيراً ما كان يقابله إقدام السعودية والإمارات وقطر على دعم فصائل متنافسة.        

ومهما كانت الأسباب الجذرية، تعاني إسرائيل الآن من فشل استراتيجي رئيسي ذو تداعيات بعيدة المدى. فبدلاً من مشاهدة نهاية نظام الأسد، عليها التعامل مع وجود قوة جوية روسية هائلة مجاورة، وتجاوز إيراني مطرد باتجاه حدودها.   

وبحلول منتصف عام 2012، تمكّن الجنرال الإيراني حسين حمداني من إقناع الأسد، الذي كان ينظر في ذلك الحين في الذهاب إلى المنفى، بالبقاء في منصبه ومواصلة القتال. وخلال المرحلة الأولى، ساعدت إيران الأسد في الدفاع عن دمشق وبعض أجزاء أخرى من "سوريا المفيدة" عن طريق تشغيل جسر جوي [سهّل] جلب معدات وذخائر عسكرية، من خلال إدخال وحدات «حزب الله» إلى ساحة المعركة، وعن طريق نشر ميليشيات مجندة - تم تشكيلها على عجل - مؤلفة من موالين محليين ومقاتلين أجانب من العراق وأفغانستان وباكستان. وفي مرحلة ما، تولّى قائد «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» قاسم سليماني قيادة 4 آلاف عنصر من «الحرس الثوري» في المعركة على [استرداد] شرق حلب، لكنه اضطر في النهاية إلى إعادتهم إلى إيران بسبب إصرار خامنئي، الذي أشار إلى عدم تقبله جيداً عدد الضحايا الإيرانيين الذين سقطوا في سوريا. وبعد ذلك، في عام 2015، جاءت الضربة المحكمة: قيام سليماني بالتوقيع على اتفاق مع بوتين، ووصول القوة الجوية الروسية إلى الساحة منذ أيلول/سبتمبر 2015 الأمر الذي مكّن إيران شيئاً فشيئاً من ضمان سيطرة الأسد على أكثر من 60 في المائة من البلاد.   

ولم تنجح إيران في جعل نظام الأسد مستقراً وفي تهدئة جزء كبير من أراضيه فحسب، بل اكتسبت أيضاً درجةً كبيرةً من النفوذ على عملية صنع القرار في دمشق، وأصبحت جهة فاعلة مهيمنة في الحرب، وبدأت ترسّخ وجودها العسكرية في سوريا. وقد حققت هذين الهدفين الأخيرين من خلال الحصول على قواعد ونشر منشآت متقدمة، وإقامة ميليشيات لا تعد ولا تحصى خارج إطار "الجيش العربي السوري" وقواته المساعدة غير النظامية، وإقامة مصانع لإنتاج الصواريخ وأنظمة التوجيه الدقيقة والذخيرة.  

ولا تواجه إسرائيل نظام الأسد المحمي - والحليف الأساسي لإيران و «حزب الله» - فحسب، بل أيضاً بروز قوة عسكرية إيرانية في الجوار. وباختصار، فتح الحذر الإسرائيلي الباب أمام [مواجهة] مغامرات مستقبلية في النهاية. وقد قابل التراخي الإسرائيلي تدابير استباقية إيرانية، وتجد إسرائيل نفسها الآن تحصي خسائرها حتى في ظل انحسار حدّة الحرب السورية. وعلى وجه الخصوص، أصبح رعاة النظام الإيرانيون يعتبرون مرتفعات الجولان، التي حافظ الأسد الأب والابن على هدوئها لعقود من الزمن، جبهةً جديدةً لقوات المقاومة. فضلاً عن ذلك، هناك خمس قواعد جوية سورية على الأقل تأوي بالفعل وحدات إيرانية، إضافةً إلى طائراتها بدون طيار وصواريخها وقدراتها الاستخباراتية. كما يتزايد بشكل مطرد عدد عناصر الميليشيات - الشيعية وغيرها - المتوافرة في خدمة إيران في سوريا، وتحظى كذلك بتدريبات ومعدات أفضل.  

وتنطوي الخطة المستقبلية المتوخاة من قبل سليماني على [إقامة] جسر بري واحد على الأقل، وربما اثنين، عبر الأراضي العراقية، يمكن من خلالهما نقل التعزيزات ومواكب الإمدادات [للعناصر التي تدعمها إيران في سوريا ولبنان]. وسبق أن أعلن عدد كبير من قادة الميليشيات الرئيسية التابعة لـ «وحدات الحشد الشعبي» العراقية عن رغبتهم في الانضمام إلى المعركة ضد إسرائيل في الجولان. بالإضافة إلى ذلك، بمجرد قيام إيران بتحديث جيشها قديم العهد، قد تنظر في نشر طائرات مقاتلة ووحدات بحرية (مثل الغواصات) في سوريا. ويُضاف ذلك بالطبع إلى ترسانة إيران المذهلة من الصواريخ بعيدة المدى القادرة على ضرب إسرائيل، فضلاً عن شبكتها الإرهابية العالمية الهائلة - الهادئة حالياً - والتي يمكن تفعيلها في وقت قصير للغاية.    

إن إيران ليست في عجلة من أمرها لخوض أي مواجهة. ويبدو أن سليماني ورئيسه خامنئي وضباطه قد تخلوا في الوقت الحالي عن خططهم السابقة لنشر «حزب الله» وميليشيات أخرى على مقربة من حدود الجولان. وكانت الأمور التي أدت إلى إعادة هذا التقييم هي سلسلة من الضربات الجوية الإسرائيلية الدقيقة ضدّ الجماعات التي ترعاها إيران والتي أعدّت الأسس لتنفيذ هجمات إرهابية انطلاقاً من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوري بالقرب من القنيطرة، والتي شملت زرع عبوات ناسفة وإطلاق صواريخ كاتيوشا. وفي عام 2015، قُتل القادة العسكريون المكلفون بهذه المهمة، بمن فيهم اللبنانيان سمير القنطار وجهاد مغنية، بالإضافةً إلى الجنرال المسؤول في «الحرس الثوري الإسلامي» محمد علي الأهدادي، على يد "جيش الدفاع الإسرائيلي". وفي وقت لاحق من العام نفسه، قتل "الجيش الإسرائيلي" ثلاثة عملاء كانوا في طريقهم نحو السياج الحدودي، مما دفع إيران إلى تعليق القيام بمثل هذه المحاولات. ولا تزال إيران ووكلاؤها يحتفظون بحوالي ستة مواقع بين منحدرات جبل حرمون والطريق السريع دمشق - درعا، لكنهم امتنعوا عن استفزاز إسرائيل بشكل أكبر.            

ومنذ آب/أغسطس 2015، ركّزت إيران عوضاً عن ذلك على حملتها الطويلة الأمد من أجل تعزيز قدراتها الهجومية داخل الأراضي السورية. ومن مقرها في مطار دمشق، المعروف بـ"البيت الزجاجي"، تسيطر القوات الإيرانية، التي يقودها حالياً قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين كنعاني على معسكر الكسوة جنوب العاصمة، من بين مواقع أخرى، حيث يتمّ الإشراف على العمليات الأكثر قرباً إلى الحدود الإسرائيلية. ومن هذا المقر، يأمل الإيرانيون، عندما تسنح الفرصة، توجيه ضربة على المتمردين في درعا، بهدف الاستيلاء على المحافظة بأكملها ومحاصرة فصائل المتمردين في محافظة القنيطرة في جيب متاخم للحدود الإسرائيلية.     

ومع ذلك، فإن القيام بهجوم بتوجيه إيراني نحو الجنوب سوف يتطلب موافقةً روسيةً نظراً لإعلان موسكو عام 2017 - التي انضمت إليها كل من واشنطن وعمّان - عن نطاق للحد من التصعيد في هذه المنطقة. ومن شأن أي هجوم أن يشكّل انتهاكاً لهذا الاتفاق، وربما يتطلب أيضاً دعماً جوياً روسياً من أجل اقتلاع المتمردين من معاقلهم. ولم يتردد بوتين في الماضي في الاستهزاء بترتيبات تجنب النزاع هذه، لكنه لم يوافق حتى الآن سوى على شن ضربات متقطعة نفذتها الطائرات الروسية حول درعا، حيث كان كلا الجانبين يستعدان منذ أشهر لمواجهة حتمية.

وستواجه إسرائيل معضلةً صعبةً بمجرد بدء الهجوم الذي تقوده إيران على درعا. ومن شأن إرسال القوات الجوية واستخدام صواريخ أرضية لوقف التقدم أن يجبرا الأسد ورعاته الإيرانيين على الانتقام، مما يزيد من خطر حدوث تصعيد عام. ومن ناحية أخرى، فإن التمسّك بالسياسة الإسرائيلية الحالية القائمة على عدم التدخل في سوريا من شأنه أن يمكّن الإيرانيين من تعزيز هيمنتهم على قمم التلال على طول الحدود، التي يُمْكن أن يهدّدوا منها [هضبة] الجولان الإسرائيلية بصواريخ قصيرة المدى وقذائف الهاون. فضلاً عن ذلك، من شأن الاستيلاء على محافظة درعا أن يضع القوات الوكيلة لإيران على الحدود مع الأردن. ومن جهتهم، يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن سليماني قد يخطط لتخريب النظام الهاشمي في عمّان، على أمل أن ينضم الأردن في النهاية بطريقة أو بأخرى إلى محور المقاومة. ومن المهم أن نتذكر أنه طوال عقود من الزمن، اعتبرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن التدخل الأجنبي في الدولة المجاورة لها إلى الشرق يشكل مبرراً للحرب. ولا شك في أن مشاركة القوات الجوية الروسية في مثل هذا الهجوم على درعا من شأنه أن يزيد من تعقيد حسابات إسرائيل. وقد نجح حتى الآن الخط الساخن بين "سلاح الجو الإسرائيلي" وقاعدة حميميم الجوية التي يديرها الروس في سوريا، في منع أي صدام بين الطيارين الروس والإسرائيليين، كما أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة في سوريا لم توجه راداراتها على الطائرات الإسرائيلية، حتى حين هاجمت هذه الأخيرة مستودعات إيرانية بالقرب من الوحدات العسكرية الروسية. وبالطبع، ستتوخى إسرائيل أقصى درجات الحذر إذا ما واجهت خطر خوض معركة مع الروس. وقد ثبت حتى الآن، أن بوتين غير راغب في التورط في مناوشات مع إسرائيل بشأن سوريا، رغم أنه عبّر في بعض الأحيان عن انزعاجه من الهجمات الجوية الإسرائيلية. 

وفي ضوء التوتر المتزايد حالياً بين إسرائيل وإيران، ما هي التدابير التي يمكن اتخاذها لمنع المواجهة أو على الأقل الحدّ من نطاقها؟

لقد فشلت الاتصالات بين إسرائيل وإيران عبر مجموعة متنوعة من "قنوات المسار الثاني"، التي تم تنظيمها سراً خلال السنوات الماضية، في تحقيق أي احتمال [للتوصل] إلى تفاهمات ضمنية على المدى القريب. كما أن الرسائل المتبادلة عن طريق دبلوماسيين أوروبيين قد أدت مرة أخرى إلى طريق مسدود. فالممثلون الإيرانيون يرفضون ببساطة النظر في فرض أي قيود على أنشطتهم في سوريا أو التخفيف من حدة دعواتهم إلى تدمير "النظام الصهيوني". 

والأمر سيان بالنسبة للمحاولات القليلة العقيمة التي قامت بها بعض الدول العربية والأوروبية من أجل إقامة قناة تواصل بين إسرائيل ونظام الأسد. وقد تميل سوريا في مرحلة ما في المستقبل إلى الحد من الهيمنة الإيرانية على أراضيها، لكن في الوقت الراهن لا تشعر الحكومة في دمشق بأنها تتمتع بالحرية لوقف بناء البنية التحتية العسكرية الإيرانية. كما أن تحذير نتنياهو بأن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرةً إلى اتخاذ خطوة مباشرة ضد الأسد، لم يكن له الأثر المنشود على سلوك الرئيس السوري. 

وقد يكون الحوار مع بوتين خياراً واعداً على نحو أكبر، فقد أخبر الرئيس الروسي محاورين غربيين بصورة غير علنية بأنه لا يرغب في أن تصبح سوريا "مستعمرةً فارسية" وأنه ليس لديه نية في مراقبة اندلاع حرب بين إيران وإسرائيل. ومع ذلك، يستمر الكرملين بمطالبة الميليشيات التي ترعاها إيران بمواصلة تدمير ما تبقى من معاقل المتمردين، لا سيما في محافظة إدلب وبعض الجيوب الأصغر حجماً. وبالتالي، قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يكون بوتين على استعداد لفرض سيطرته على حلفائه الإيرانيين.   

أما السبيل الأكثر منطقية لمواجهة توسّع إيران في سوريا فيتمثل في إنجاز مجموعة شاملة من التفاهمات بين موسكو وواشنطن حول كيفية رسم معالم مستقبل سوريا. ولكن للأسف، في ظل الظروف القائمة، لا يبدو أن مثل هذا الاتفاق ممكناً في المستقبل المنظور. لذلك، يمكن إعطاء مزيد من التفصيل لاتفاق الحد من التصعيد الذي توصل إليها الطرفان عام 2017 فيما يتعلق بجنوب سوريا ليضمن وقفاً منتظماً لإطلاق النار في المناطق الواقعة بين دمشق والحدود مع إسرائيل والأردن. وفي المقابل، من شأن اتفاق محسّن للحد من التصعيد أن يمنع هجوماً ضدّ المتمردين في محافظتي درعا ومن ثم القنيطرة. ومن المحتمل أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى السماح للمتمردين بتعزيز قدراتهم الدفاعية. وبما أن الولايات المتحدة وروسيا تفضلان تجنّب قيام مواجهة بين إسرائيل وإيران وما يرافق ذلك من مخاطر، فإن التفاهمات المفصّلة بشأن الجنوب قد تحتوي على بند حظر الدخول إلى منطقة تواجد القوات غير السورية، مثل «حزب الله»، مما يقلل من خطر حدوث ثوران على طول الحدود. كما أن الحدّ من استحواذ «الحرس الثوري» الإيراني على شبكة من القواعد في سوريا يتطلب إحباط محاولات الأسد ومرشديه من الاستيلاء على مناطق شرق نهر الفرات - أي ما يقرب من ربع الأراضي السورية - الخاضعة حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة من خلال وجود 2000 جندي أمريكي. وكانت السيطرة على هذه المنطقة قد منعت إيران من تفعيل الممرين البريين المخطط لهما باتجاه سوريا. وكان أحد الممرات ليمر عبر محافظة الأنبار غربي العراق والآخر عبر الطرق بين كركوك وسنجار. ويطمح «الحرس الثوري» الإيراني إلى اكتساب القدرة على إرسال المزيد من العناصر الميليشياوية والإمدادات إلى سوريا عبر أراضي صديقة على طول هذه الطرق من أجل تسريع وتيرة التعزيزات العسكرية داخل البلاد. فقد علّمتهم التجربة أن الاعتماد على النقل الجوي مُعرض إلى حد ما للضربات الجوية الإسرائيلية.           

ومن أجل الحفاظ على المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات خارج نطاق القوات التي ترعاها إيران، يجب على الولايات المتحدة مواصلة الاضطلاع بدورها هناك لكي تبقى «قوات سوريا الديمقراطية»، المؤلفة بشكل رئيسي من محاربي «وحدات حماية الشعب» الكردية، واثقةً من وجود غطاء جوي ومساعدة وتدريب أمريكي متواصل. إلّا أن مثل هذا الترتيب لا يمنع بالضرورة حدوث انخفاض في عدد القوات الأمريكية على الأرض.  

يجب على العناصر الأخرى للاستراتيجية التي ترمي إلى عرقلة مساعي إيران لتحويل سوريا إلى منصة عسكرية لغرض شنّ حملة مستقبلية ضدّ إسرائيل، أن تتضمن تقوية المجتمع الدرزي - الذي تجمعه روابط تقليدية مع الأردن وإسرائيل - من أجل مقاومة أي محاولة إيرانية لاختراق محافظة السويداء الواقعة في الشمال الشرقي لمحافظة درعا. إن الوضع المعقد للدروز خلال الحرب الأهلية يتخطى نطاق هذا المقال، لكن علاقات الدروز المتأرجحة مع نظام الأسد لا تشير بأي حال إلى ميل نحو الترحيب بـ «الحرس الثوري الإسلامي» أو أي وجود شيعي آخر في وسطهم. إن حرمان إيران من محاولة استخدام قواعد الصواريخ المتوسطة المدى في جبل الدروز يجب أن يُعتبر مكوّناً أساسياً وضرورياً لسياسة ترمي إلى إحباط المخطط الإيراني.      

وإذا وضعنا الولايات المتحدة وإسرائيل جانباً، فلدى عدد قليل من الجهات الفاعلة الإقليمية مصلحة في منع تولي إيران السيطرة الفعلية على سوريا. فتركيا والسعودية والإمارات ومصر والأردن تتشارك الكراهية نفسها لما سمّي بـ"الهلال الشيعي"، الذي تُعتبر سوريا مركز ثقله. ويمكن إقناع كل من هذه الدول بالمساهمة بطرق مختلفة في جهود تهدف إلى "وقف إيران". وسواء كان ذلك عبر توفير الأموال أو تقديم المساعدة العسكرية أو العون في إعادة الاعمار، يمكن لهذه الدول أن تساعد في ردع الأسد عن الاستسلام الكامل لرغبات إيران وتعزيز سيطرة المتمردين في جنوب سوريا والمناطق الواقعة شرقي الفرات.   

ولكنّ الأهم من هذا كله، ومن أجل منع اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وإيران، التي يمكن أن تتوسّع بسهولة لتطال لبنان وغزة، يتعين على الولايات المتحدة أن تقدم دعمها لحملة إسرائيلية مستمرة لتدمير - عند الضرورة والإمكان - المنشآت الإيرانية في سوريا ورفع تكاليف جهود «الحرس الثوري» الإيراني بشكل مستمر إلى الحدّ الذي يدفع بكل من طهران ودمشق إلى إعادة النظر في إمكانية تطبيق مشروع سليماني.  

 

إهود يعاري هو زميل "ليفر" الدولي في المعهد ومعلق لشؤون الشرق الأوسط في "القناة الثانية" في التلفزيون الاسرائيلي.