أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2318

اتفاق المصالحة الأخير بين «حماس» و «فتح»، عودة إلى المستقبل

إهود يعاري و نيري زيلبر

متاح أيضاً في English

1 تشرين الأول/أكتوبر 2014


يُعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الفصيلين الفلسطينيين المتنافسين «حماس» و «فتح» في 25 أيلول/سبتمبر، مجرد أحدث ما أُبرم بين الجانبين في سلسلة طويلة من الاتفاقات التي أعلن فيها الطرفان عن نواياهما بالمضي قدماً نحو مصالحة وطنية. ولا يتخطى الاتفاق الذي وُقع في القاهرة كونه صورة مضخمة لاتفاق الوحدة الذي تم التوصل إليه في نيسان/أبريل - وثلاثة اتفاقات شبيهة أخرى فاشلة تعود لعام 2007 - ولا تزال فيه ثغرات بارزة تفصل الحركتين عن أي مصالحة فعلية، بينما تُركت أكثر المسائل الشائكة التي يتناولها مبهمة عمداً. وستكون لتطبيق الخطوط العريضة التي أُعلن عنها في القاهرة أهمية كبرى على السياسة الفلسطينية الداخلية بشكل عام ومصير قطاع غزة بشكل خاص.

"مناخ" من الوحدة

جاء الاتفاق الجديد بعد أيام قليلة من المفاوضات بين مسؤولين من «حماس» و «فتح» في القاهرة، وبعد أن أُرجئت - من قبل كلا الطرفين - إلى أواخر تشرين الأول/أكتوبر، محادثات غير مباشرة نحو التوصل إلى اتفاق أكثر استدامة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» في غزة. ويجب ألا تأتي الأولوية الأكبر التي أعطيت للشأن الفلسطيني الداخلي كمفاجأة. فبنظر المجتمع الدولي، تشكل عودة السلطة الفلسطينية برئاسة «فتح» إلى حكم غزة، بعد أن أطيح بها بعنف من القطاع الساحلي عام 2007، الآلية الوحيدة التي يمكن من خلالها فتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة وتنمية اقتصادها.

وقد وجدت «حماس» ضرورة للإيحاء بوجود ما يشبه بـ "وحدة وطنية"، إن لم يكن نقل فوري لمسؤولية الحكم إلى السلطة الفلسطينية، نظراً للبيئة المدمرة في غزة ما بعد الحرب حيث يتزايد الضغط الشعبي. وكان لذلك أهمية أيضاً بنظر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عشية الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 أيلول/سبتمبر. ومن جانب آخر، يقترب بسرعة موعد مؤتمر المانحين الدولي حول غزة والمقرر في 12 تشرين الأول/أكتوبر. لذا فإن البندين الأولين من الاتفاق الجديد يدعوان السلطة الفلسطينية إلى تشكيل حكومة "توافق وطني" - إدارة برئاسة «فتح» بدأت باستلام السلطة في حزيران/يونيو ضمن اتفاق الوحدة في نيسان/أبريل - لتولي المسؤولية عن غزة وتسريع عملية إنهاء الحصار الإسرائيلي-المصري لكي يتم البدء بعملية إعادة الإعمار بأسرع وقت ممكن.

وفي الواقع، يعدّ إعلان النوايا هذا تجاه عودة السلطة الفلسطينية حدثاً جديداً في اتفاقات المصالحة الفلسطينية، لا بل إن نص الاتفاق يذهب إلى أبعد من سابقاته في نواح أخرى أيضاً. فعلى سبيل المثال، يشير إلى أن الطرفين يوافقان على "التعاون مع الأمم المتحدة" حول إعادة إعمار غزة ويذكر للمرة الأولى تفاصيل مهام واضحة لـ "اللجنة الإدارية والقانونية" الجديدة المكلفة بالتدقيق بالقطاع العام المنضوي تحت لواء «حماس» في غزة.

ولكن، كما ذكر أحد كبار المسؤولين في «حماس» مؤخراً، "إن ما حدث في القاهرة كان تفسيراً لاتفاقات [قائمة]، وليس اتفاقاً جديداً." ومثله مثل اتفاقات سابقة، حافظ الاتفاق الأخير على الغموض حول مجموعة من القضايا الحاسمة، ومن المرجح أن ذلك كان عن قصد. ووفقاً لما جاء على لسان الوزير في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ في 26 أيلول/سبتمبر، "لا تكمن أهمية الاتفاق في نصه أو محتواه، بل في خلق مناخ إيجابي لتطبيقه".

أسئلة حول مستقبل غزة

يكمن الغموص الجوهري الذي يحيط بالاتفاق في حجم التنازل عن السلطة الذي قد تكون «حماس» مستعدة للقيام به لصالح السلطة الفلسطينية وحكومة الوفاق الوطني في غزة. وفي هذا الإطار تبرز ثلاث قضايا هي: مستقبل وزارات الحكومة المحلية وبينها عمال القطاع العام التابعين لـ «حماس»؛ وأي دور، إن وجد، ستلعبه «حماس» في المعابر الحدودية في غزة في إطار إعادة الإعمار ما بعد الحرب؛ والنظام الأمني العام في القطاع في المرحلة القادمة.

القطاع العام في غزة. منذ اتفاق المصالحة في نيسان/أبريل، طالبت «حماس» باستمرار بأن تقوم السلطة الفلسطينية بدفع رواتب آلاف موظفي القطاع العام الذين وظفتهم في غزة. ولم يحصل هؤلاء الموظفين من الخدمة المدنية - الذين يقدر عددهم بنحو 43 ألف موظف وثلثهم من شرطة «حماس» وقوات الأمن في وزارة الداخلية - على رواتبهم منذ أشهر. وفي المقابل، يواصل 70 ألف موظف في القطاع العام تابعون لـ «فتح» باستلام رواتبهم من السلطة الفلسطينية منذ انقلاب «حماس» عام 2007، على الرغم من أنهم تلقوا تعليمات "بعدم المواظبة في عملهم".

ويدعو الاتفاق الأخير إلى قيام "اللجنة القانونية والإدارية" المذكورة أعلاه، والتي تتألف من تكنوقراط في السلطة الفلسطينية بفرز موظفي «حماس» في القطاع العام و"التعاطي بإنصاف" مع الملف. وعلى عكس الجهود السابقة، يرجح أن يتم تسريع عمل اللجنة الجديدة على الرغم من عدم تحديد إطار زمني لها، ويدعو الاتفاق حكومة السلطة الفلسطينية لـ "ضمان المكافآت المالية" (مثلاً، المقدمات) لموظفي القطاع العام التابعين لـ «حماس» حتى انتهاء عمل اللجنة. ولكن على عكس التصريحات الأخيرة لمسؤولين في «حماس»، من غير المرجح لدرجة كبيرة أن تشمل هذه المقدمات جميع الموظفين التابعين لها، لاسيما العناصر الأمنية. وقد وُضعت آلية دولية من قبل جهة ثالثة لدفع رواتب هؤلاء الموظفين، على الرغم من عدم إعلان تفاصيلها الرسمية. وفي المرحلة القادمة، سيكمن التحدي الأكبر في هذا المجال في ترشيد القطاع العام في غزة، كما دعت الجهات المانحة الغربية مراراً وتكراراً. إنه لأمر غير واقعي أن يتم ضمّ آلاف الموظفين في القطاع العام من «فتح» و «حماس» في إطار بيروقراطي عملاق واحد.

إعادة الإعمار. ينص الاتفاق الجديد على أن تقوم حكومة الوفاق الوطني الجديدة للسلطة الفلسطينية بممارسة "واجباتها الأمنية في مناطق السلطة الفلسطينية الوطنية"، بينها المعابر الحدودية في غزة. وتنص الاتفاقية أيضاً على أن تكون حكومة السلطة الفلسطينية "مسؤولة عن الإشراف والمتابعة" فيما يخص أعمال الإعمار. بيد، لا ينص الاتفاق في أي بند منه على تخلي «حماس» عن سلطتها الفعلية داخل القطاع، وقد أعلن عباس رسمياً رفضه التام لقبول "حكومة ظل" تحت قيادة «حماس». ويسود الاعتقاد حالياً بأن «حركة المقاومة الفلسطينية» تدفع باتجاه إقامة لجنة إعادة إعمار مشتركة يمكنها من خلاها مواصلة ممارسة سيطرتها - وجني المنافع الاقتصادية والسياسية - على أي برنامج هائل للمساعدة الدولية تحت مظلة مفيدة للسلطة الفلسطينية.

وعلى كل الحال، ستحتاج الحكومة إلى عديد كبير من قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لكي تستطيع تنفيذ "واجباتها الأمنية" في غزة. غير أن هذه القوات تتألف فقط من تسع كتائب من قوات "الأمن الوطني"، الأمر الذي يعيق إعادة انتشار واسع من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، باستثناء كتيبة يصل عددها وفقاً للتقارير إلى ما يقرب من ألف عنصر من النخبة التابعين لـ "الحرس الجمهوري". وسيتعيّن تعويض الفرق من قبل أفراد الأمن التابعين لـ «فتح» البالغ عددهم 30 ألف عنصر كانوا قد بقوا في القطاع بعد انقلاب عام 2007. ولم يؤدي هؤلاء الأفراد خدمتهم منذ سبع سنوات كما احتجزت «حماس» العديد منهم في فترات مختلفة، لذا سيحتاجون إلى التدريب وإلى إعادة الفرز من جديد لتحديد ما إذا كان ولاؤهم مزدوج لـ «حماس» وإلى الشخصية القوية المنفية في «فتح»، محمد دحلان. وبشكل عام لا يتناول الاتفاق الجديد البنية التحتية المطلوبة لإعادة نشر عناصر قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة.

سلطة واحدة، حركات مسلحة كثيرة. خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت «حماس» بتشكيل "جيش شعبي" في غزة لدعم النخبة من "كتائب عز الدين القسام"، يكون شبيهاً بنموذج الميليشيات الاحتياطية التي يستخدمها «حزب الله» في لبنان و"قوات الدفاع الوطنية" المدعومة من إيران التي تقاتل في سوريا. وفي حين أن أحداً لا يتوقع أن تقوم قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بإرغام «حماس» والجماعات المسلحة الأخرى التي لا تعد ولا تحصى في غزة على تسليم سلاحها، إلا أن التداعيات لهذه الخطوة واضحة، فـ «حماس» تخلق وقائع على الأرض للحفاظ على نفوذها إذا عادت السلطة الفلسطينية إلى غزة، لكي تعوّض عن أي سلطة سياسية إسمية قد تتنازل عنها.

المقايضات في السياسة الفلسطينية

في الوقت الذي يولي فيه الاتفاق الجديد أهمية كبرى لمسألة قطاع غزة، تركز بكل وضوح خمسة من بنوده التسعة على السياسة الفلسطينية. وتُظهر المقايضة على الأقل إسمياً أنها تمنح السلطة الفلسطينية موطئ قدم في غزة مقابل تخفيف القيود السياسية المفروضة على «حماس» في الضفة الغربية. ومع ذلك، فهنا أيضاً يبقى الاتفاق محاطاً بالكثير من الغموض.

فعلى سبيل المثال، ينص الاتفاق عبر جمل قصيرة تفتقر إلى أي تفاصيل بأن اللجان المعنية بـ "الحريات العامة" و"المصالحة المجتمعية" ستستأنف عملها لإنهاء القيود المفروضة على النشاطات والكوادر السياسية لـ «حماس» و «فتح» في الضفة الغربية وقطاع غزة، على التوالي، بما في ذلك الإفراج عن السجناء. وقد وردت تقارير بأن «حماس» كانت قد أعدمت العشرات من عناصر «فتح» خلال حرب غزة، بينما كشفت الاستخبارات الإسرائيلية في آب/أغسطس شبكة واسعة تابعة لـ «حماس» في الضفة الغربية مما أدى إلى قيام كل من الرئيس محمود عباس وإسرائيل باتهام «حماس» بالتخطيط لانقلاب هناك. ولم يحدد بعد ما إذا كانت السلطة الفلسطينية ستخفف من الحملة الأمنية التي تشنها على عناصر «حماس» في الضفة الغربية، أو إذا كانت «حماس» ستمنح نشطاء «فتح» حريات أكبر في غزة.

وبالإضافة إلى ذلك، يُنيط الاتفاق بـ "المجلس التشريعي الفلسطيني" الذي تملك فيه «حماس» أغلبية المقاعد، مهمة الانعقاد مجدداً بعد أن تقوم مختلف الكتل السياسية بإجراء "المشاورات اللازمة". وكان اتفاق نيسان/أبريل قد دعا إلى الشئ نفسه أيضاً، ولكن ذلك لم يتحقق، وبعده جاء اعتقال عدد من نواب «حماس» البارزين في أعقاب عملية اختطاف ثلاثة مراهقين إسرائيليين وقتلهم في حزيران/يونيو. وعلى أي حال، من غير الواضح كيف يمكن لبرلمان تهيمن عليه «حماس» أن يتعاون مع حكومة السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها «فتح». كما أنه من غير الواضح ما هو الإطار الزمني للانتخابات الرئاسية والتشريعية الجديدة، التي ينص الاتفاق بشكل مُبهم على أن تجرى بعد إعداد "الظروف" المناسبة لها "بسرعة".

وأخيراً، يتناول بند هام في الاتفاق إنجاز الأهداف السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية بما في ذلك تأسيس دولة ضمن حدود عام 1967، عاصمتها القدس ومنح حق للاجئين الفلسطينيين بالعودة "إلى ديارهم". ولا يشير النص عن قصد فيما إذا كان هذا التطور يقع ضمن إطار عمل اتفاق سلام مع إسرائيل والاعتراف بها، كما أشار عباس في الماضي. بل إن اختيار المصطلحات فيه يترك مجالاً لدمج استراتيجية «حماس» التي تعارض الاتفاق مع إسرائيل والاعتراف بها، ليشكل هدنة طويلة الأمد بهدف تحرير كافة أراضي فلسطين من زمن الانتداب - على مراحل في نهاية المطاف. وعلاوة على ذلك، ليست هناك إشارة إلى "مبادرة السلام العربية"، أي الاقتراح السعودي القائم منذ فترة طويلة الذي وافق عليه عباس علناً، والذي يمتد ليشمل الاعتراف بإسرائيل مقابل الانسحاب إلى حدود عام 1967.

وعلى الرغم من غموض الاتفاق والشكوك التي تحيط بتنفيذه الفعلي، ليست لأي من حركتي «حماس» أو «فتح» مصلحة في إجهاض جهود المصالحة في هذه المرحلة. إن الاتفاق الجديد غامض بما فيه الكفاية لكي يسمح لكلا الطرفين بالمضي قدماً في الوقت الذي يستمران في التنازع حول تفاصيله. وفي الواقع، يدعو البند الأخير من الاتفاق إلى تشكيل "لجنة متابعة" لمراقبة كيفية تنفيذ البنود و"تذليل العقبات". وبعبارة أخرى، يستمر التنافس القائم منذ فترة بين «حماس» و «فتح» - وإذا كان التاريخ يحمل أي دليل للمستقبل فلن يكون اتفاق المصالحة الأخير هو النهائي.

 

إهود يعاري  هو زميل ليفر الدولي في معهد واشنطن ومعلق لشؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي. نيري زيلبر هو باحث زائر في معهد واشنطن، وصحفي وباحث في مجالي السياسة والثقافة في الشرق الأوسط.