أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

نبوءة الأسد ذاتية التحقيق

هارون ي. زيلين

متاح أيضاً في English

برافدا سلوفاكيا

14 آب/أغسطس 2012


رغم أن معظم المشاركين في الثورة السورية هم من السوريين، لكن أصبح الآن تواجد حقيقي للمقاتلين الأجانب في البلاد وينبغي أن يمثل ذلك مصدر قلق للنظام والمعارضة على حد سواء.

عندما انطلقت الثورة السورية، كان من بين المبررات التي تداولها بشار الأسد لتسويغ قمعه الوحشي للمتظاهرين - والعناصر المسلحة لاحقاً - أنه كان يعتبرهم إرهابيين أجانب. وكان زعمه آنذاك مثاراً للسخرية والتهكم؛ إذ كانت الغالبية العظمى من الثوار من السوريين الذين يسعون إلى التخلص من عبودية الديكتاتورية التي فرضها عليهم النظام البعثي تحت قيادة بشار ووالده حافظ لعقود من الزمن.

ورغم أن معظم المشاركين في الثورة السورية الحالية لا يزالون من السوريين، إلا أنه أصبح الآن تواجد حقيقي للمقاتلين الأجانب يجب أن يمثل مصدر قلق ليس لنظام الأسد فحسب وإنما للمعارضة السورية أيضاً. ويسافر معظم المقاتلين الأجانب إلى الخارج من أجل الدفاع عن زملائهم المسلمين ومنع ذبحهم. وبمجرد تواجدهم في ميدان المعركة، يتواصل العديد منهم بصورة أوثق مع المجاهدين المتشددين، فضلاً عن مقاتلين من بلدان أخرى، وينفتحون على أفكار جديدة. ومن ثم، فإن شرائح من المقاتلين الأجانب لا يقاتلون من أجل تأسيس دولة مستقبلية للمواطنين السوريين،0} بل يأملون في ضمها لكي تصبح جزءاً من أهدافهم الأكبر المتمثلة في تأسيس إمارات تسفر في النهاية عن إعادة ترسيخ الخلافة، رغم الخيالية التي ينطوي عليها هذا المشروع.

وفي هذه المرحلة تشير التغطية الإعلامية على أرض الواقع بالإنكليزية والفرنسية والعربية والألمانية وغيرها من اللغات، إلى أن هناك حالياً ما بين 800-2000 أجنبي في سوريا، يمثلون أقل من 10% من المقاتلين. وقد جاء معظمهم منذ بداية هذا العام: إذ وصلت مجموعة كبيرة من الدول المجاورة لسوريا: لبنان والعراق والأردن، بينما جاءت مجموعة أصغر من شمال أفريقيا ينحدر مواطنيها من ليبيا وتونس والجزائر. وقد كان تواجد الغربيين حتى هذه المرحلة في أدنى حدوده.

وهؤلاء الأفراد يقيمون روابط ليس فقط مع "الجيش السوري الحر" بل مع المنظمات الجهادية أيضاً. وقد دخلت إلى ساحة المنافسة "كتائب عبد الله عزام" و"فتح الإسلام"، وكلاهما من المنظمات الجهادية الإسلامية. وهذا هو الحال نفسه مع المنظمات الأقل رسوخاً لكنها الآخذة في التنامي، مثل "جبهة النُصرة"، التي يسود اعتقاد بأنها أقوى جماعة جهادية في سوريا، وكذلك "أحرار الشام". وهناك مجموعة أخرى - "لواء الأمة" - يشكل فيها المقاتلون السوريون 90% من منتسبيها بقيادة الإيرلندي الليبي مهدي الحراتي - وهو قائد سابق في "لواء طرابلس" الذي ساعد في الإطاحة بنظام القذافي في ليبيا قبل عام.

والمعضلة في كل هذا أنه رغم أن الجهاديين لا يزالون يشكلون نسبة صغيرة من المقاومة، إلا أن العديد منهم يمتلكون خبرات سابقة في الأعمال الجهادية في العراق وأفغانستان واليمن وليبيا. ولذلك، فلديهم مهارات أكثر حرفية فضلاً عن علاقات بشبكات التمويل والأسلحة التي كان "الجيش السوري الحر" في حاجة ماسة إليها لمواجهة غياب الدعم من المجتمع الدولي. ونتيجة لذلك، يمكن أن يكون المقاتلون المجاهدون عوامل لمضاعفة القوة وفقاً لما رأينا في العراق أثناء ذروة أعمال التمرد ضد الولايات المتحدة. ويوضح مقاتلو "الجيش السوري الحر" - في مقابلات إعلامية - أنه بسبب خبرات الجهاديين ومواردهم والتقنيات التي يستعملونها، فقد بدؤوا التعاون معهم على مضض، حتى لو كانوا يعتبرونهم متطرفين ولا يؤمنون بأهدافهم النهائية.

كما قام الجهاديون الذين يتواصلون على شبكة الإنترنت بنشر مقاطع فيديو على منتدياتهم تظهر كيف أن بعض كتائب الجهاديين قد نسقت عملياتها مع عناصر من "الجيش السوري الحر" في أماكن مثل حلب. بيد قد يؤدي ذلك إلى تبادل الأيديولوجيات وإزكاء التطرف داخل فصائل في "الجيش السوري الحر". كما قد يؤلِّب الجماعات المختلفة ضد بعضها البعض بمجرد انتهاء القتال ضد نظام الأسد، مما سيخلق المزيد من عدم الاستقرار في دولة تتطلع إلى استعادة الأوضاع الطبيعية والتحول إلى مستقبل أفضل.

وللأسف لن يختفي هذا التحدي الذي يشكله الجهاديون في أي وقت قريب. فنحن نرى في العراق أنه على الرغم من ضعف الجهاديين مقارنة بما كان عليه الوضع منذ سنوات قليلة، إلا أن بقايا القتال لا يزال مستمراً ولا يزال المقاتلون يعملون على إفساد الأمور. ومن ثم، لا يتحتم فقط على المجتمع الدولي أن يضع خطة للتعامل مع الجهاديين في سوريا ما بعد الأسد، وإنما عليه العمل أيضاً مع المعارضة لمساعدتها على طرد هذه العناصر الأجنبية والسامة التي من شأنها أن تضر بمستقبل سوريا أكثر مما تنفعه.

 

هارون ي. زيلين هو زميل ريتشارد بورو في برنامج ستاين للإستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن.