أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

تنبيه سياسي

مروحيات الأباتشي في سيناء

ديفيد شينكر

متاح أيضاً في English

16 كانون الثاني/يناير 2014


في مطلع الأسبوع المقبل سوف يوافق الكونغرس الأمريكي على تشريع جديد يُحد من القيود على نقل الأسلحة الأمريكية إلى مصر. وحتى الآن، يحظر القانون على إدارة أوباما توفير ذخائر إلى الدول التي يطيح فيها الجيش بالحكومات المنتخبة ديمقراطياً. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية لم تُصنف الإجراء العسكري في 3 تموز/يوليو الذي أطاح برئيس جماعة «الإخوان» محمد مرسي على أنه انقلاب عسكري، إلا أنها علّقت تسليم بعض نظم الأسلحة - أبرزها عشر طائرات أباتشي هجومية - الأمر الذي شكل ضغوطاً على العلاقات الثنائية. ويتحاشى القانون الجديد ضرورة عدم وقوع انقلاب عسكري، ويربط بدلاً من ذلك تقديم المساعدات العسكرية بإجراء مصر استفتاء على الدستور (وهو ما أكملته البلاد لتوها هذا الأسبوع) إلى جانب إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية (والتي تقرر مؤقتاً إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام).

وقد يرى البعض أن هذا التغيير التشريعي يشكل تحولاً بعيداً عن دعم الولايات المتحدة للديمقراطية؛ وقد يراه آخرون اعترافاً بالواقع على الأرض في مصر. ومهما كان الحال، فإن التسليم المعلق لطائرات الأباتشي هو البند الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام في القاهرة وواشنطن. بيد أنه حتى مع تحسين مناخ العلاقات الثنائية، فإن القانون الجديد وتسليم مروحيات هجومية إضافية من غير المرجح أن يُحدثا وحدهما تأثيراً ملموساً على مسار التمرد الناشئ في مصر.

تمر القاهرة حالياً في وسط حملة لإرساء الأمن في سيناء، حيث كسب المنتسبون لـ تنظيم «القاعدة» موطئ قدم هناك خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن انتقال عدوى الإرهاب إلى وادي النيل. فمنذ تموز/يوليو 2013 - عقب الإطاحة بمرسي مباشرة - قُتل نحو 350 فرد من الشرطة والجيش في شبه الجزيرة. وفي أواخر آب/أغسطس، أطلق الجهاديون قذائف صاروخية على سفينة عابرة لقناة السويس، ولحسن الحظ لم تتعرض السفينة لأضرار جسيمة. وبعدها بأيام، نجا وزير الداخلية محمد إبراهيم بأعجوبة من تفجير بسيارة مفخخة في العاصمة.

وبالإضافة إلى الرؤى الإيجابية المرتبطة بتجدد تدفق الأسلحة، ترى واشنطن والقاهرة أن تسليم المزيد من طائرات الهليوكوبتر ربما يفيد في الحملة ضد المقاتلين الذين مقرهم في سيناء. وتستخدم مصر طائرات الأباتشي الحالية المزودة بصواريخ هيلفاير، باعتبارها المنصة المفضلة في شبه الجزيرة، ووفقاً لروايات الجيش قتلت هذه المروحيات 184 مسلحاً حتى الشهر الأخير. وقد حصلت على خمس وثلاثين من هذه الطائرات من الولايات المتحدة منذ عام 1995، ودفعت 164 مليون دولار من "التمويل العسكري الخارجي" مقابل الطائرات العشر التي جرى تعليق استلامها، أو ما يقرب من ثمن الشراء بالكامل البالغ 171 مليون دولار.

وتمثل تلك الطائرات العشر الأخيرة أهمية في ضوء عدم وضوح العدد الصالح للتشغيل من بين الطائرات الخمس والثلاثين الأولية. وفي ضوء ما تشتهر به مصر من ضعف الصيانة وقدرات الاستدامة - ناهيك عن مهارات طياريها التي تحيط بهم الشكوك - ربما يكون العديد من المروحيات خارج الخدمة. ورغم عدم ورود أي تقارير عن تحطم أي طائرات أباتشي خلال العمليات الأخيرة في سيناء، إلا أن طائرتين نفاثتين - من بينهما واحدة من طراز إف 16 - تحطمتا أثناء التدريبات خلال الشهور الأربعة الماضية وحدها.

وبطبيعة الحال فإن طائرات الأباتشي وحدها لن تكون كافية لسحق التمرد. وفي الواقع أن أساليب الجيش الخشنة في سيناء، مثل نشر صواريخ هيلفاير المضادة للدبابات والتي يتم إطلاقها من مروحيات في مناطق كثيفة السكان، قد تغذي الدعم الذي تحصل عليه «القاعدة». ويمكن استلهام النموذج الأكثر فعالية من اغتيال إسرائيل للزعيم الإرهابي علي أبو مصطفى في عام 2001، عندما أطلقت طائرات الأباتشي صاروخين مضادين للأفراد من خلال نافذة في رام الله، أفضيا إلى قطع رأس مصطفى أثناء جلوسه في مكتبه - ويبدو أن الاستهداف المصري لم يصل إلى تلك الدرجة من الدقة.

وفي أغلب الأحوال، جرى منع الصحفيين المصريين من تغطية الأضرار الجانبية، بل وجرى اعتقالهم بسبب تلك التغطية. بيد أن الشيخ إبراهيم المنيعي، رئيس اتحاد قبائل سيناء، أخبر أحد الصحفيين أن أكثر من خمسين مدنياً لقوا حتفهم حتى بداية أيلول/سبتمبر، وتم تدمير أكثر من 200 منزل حتى تشرين الثاني/نوفمبر. وليس هناك شك بأن الأرقام قد زادت منذ ذلك الحين.

إن الجيش المصري ملتزم في الوقت الحالي بحملة مكافحة الإرهاب في سيناء بل إنه يهدد باستهداف «حماس» عبر الحدود في غزة. وكان حفظ الأمن في سيناء يقتصر منذ فترة طويلة على "دائرة المخابرات العامة"، ومن ثم فإنه يشكل مسؤولية جديدة نسبياً للجيش المصري. وهذا تطور مرحب به بالنسبة لواشنطن التي كانت تمارس ضغوطاً على الجيش لكي يقوم بدور أكثر قوة في محاربة الإرهاب داخل شبه الجزيرة منذ انهيار "دائرة المخابرات العامة" في عام 2011. بيد أن قدرات قوات الجيش الضعيفة ربما لا تكون مناسبة بشكل مثالي لأداء هذه المهمة.

لقد أثبتت سيناء منذ زمن بعيد أنها تشكل تحدياً للقاهرة، حتى عندما كانت شبه الجزيرة تخضع لـ "دائرة المخابرات العامة" التي ركزت على مكافحة الإرهاب في ذروة نشاط هذه "الدائرة". فعلى سبيل المثال، نفذ الإرهابيون بين عامي 2004 و 2006 سلسلة من الهجمات الكبيرة التي أودت بحياة أكثر من 100 أجنبي ومصري. والدرس المستفاد من سيناء والعراق والضفة الغربية وغيرها من الأماكن هو أن سياسات مكافحة الإرهاب الناجحة لا تتطلب أنشطة حركية من الجيش فحسب، بل تواجداً طويل الأجل لأفراد الشرطة/المخابرات وفي كثير من الأحيان التزاماً حقيقياً بالتنمية الاقتصادية.

ورغم أنه قد يكون من السابق لأوانه أن نحكم على الحملة الوليدة للجيش المصري في سيناء، إلا أن التقارير ومقاطع اليوتيوب الواردة من المنطقة تفيد بأن الأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية كانت هائلة إلى حد ما. ولهذا، فعلى الرغم من أن تسليم طائرات الأباتشي الإضافية ونشرها قد يزيد من ضحايا الإرهابيين، إلا أن استمرار الأضرار الجانبية سوف يزيد من جموح سكان سيناء البدو الذين لا يحصلون على ما يستحقونه من خدمات، وربما يجعلهم متعاطفين مع «القاعدة».

وإذا جاز لنا أن نعيد صياغة ما ورد في مذكرة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد في عام 2003 تحت عنوان "الحرب على الإرهاب"، لا يتضح ما إذا كانت أعداد الإرهابيين الذين تأسرهم مصر في سيناء أو تقتلهم أو تردعهم أو تثنيهم تزيد عن أعداد الإرهابيين الذين تجندهم «القاعدة» وتدربهم وتنشرهم جراء حملة مكافحة الإرهاب المستمرة. ورغم أن قليلين سيثيرون تساؤلات حول الحكمة من وراء الهجوم الحالي الذي تشنه القاهرة، إلا أن الحكومة ستحسن صنعاً إذا عززت استراتيجيتها العسكرية بعناصر أخرى أقل فتكاً من القوة الوطنية لكي تضمن أن لا تكون انتصاراتها باهظة الثمن أو قصيرة الأجل.

 

ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.