المرصد السياسي 1480
سياسة أوباما تجاه تركيا : استمرارية أم تغيير؟
سونر چاغاپتاي, , و
متاح أيضاً في English
23 فبراير 2009
"في يوم 18 شباط/فبراير 2009، خاطب سونر چاغاپتاي، مارك باريس، وايان ليسير منتدى السياسة في مأدبة غداء أستضافها برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسماع تقرير عن التجربة التي قضاها الدكتور چاغاپتاي خلال إجازته الأخيرة التي دامت أربعة أشهر في تركيا ومناقشة سياسة إدارة أوباما تجاه تلك البلاد. الدكتور چاغاپتاي هو زميل أقدم ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. السفير مارك باريس هو سفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا، وحالياً مستشار للمشروع التركي في معهد بروكينغز. ايان ليسير هو زميل أقدم عبر الأطلسي في صندوق مارشال الألماني، يركز على الشؤون التركية والمثلث الولايات المتحدة- تركيا-الاتحاد الاوروبي. وفيما يلي خلاصة المقرر لملاحظاتهم".
سونر چاغاپتاي
تركيا هي دولة تحكم من قبل الطبقات العليا في المجتمع؛ فمن الناحية التاريخية، قادت البلاد مجموعات كبيرة من نخبة المجتمع وأتخذت مسارها باتجاه الإلتزام بقيمها الإجتماعية وسياساتها الخارجية. كان هذا هو الوضع القائم خلال العهد العثماني، والعصر الجمهوري، وكذلك هو اليوم مع حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يمثل النخبة الجديدة؛ فهذا الحزب مدعوم من قبل مجتمع أعمال كبير، يقوم بتوجيه عمليات الإستخبارات الداخلية، ويسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما أن العضو السابق في حزب العدالة والتنمية، عبد الله جول، يشغل الآن منصب رئيس البلاد ويتمتع بصلاحية تعيين قضاة المحاكم العليا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نحو 50 في المئة من وسائل الإعلام التركية مملوكة الآن من قبل أعمال تجارية مؤيدة لحزب العدالة والتنمية.
وبما أنه يمثل الطبقة العليا الجديدة في المجتمع، يقوم حزب العدالة والتنمية بتجسيد ملامح المجتمع التركي حسب رؤيته، عن طريق تعزيز [نظراته] الاجتماعية المحافظة من خلال الإجراءات الإدارية. وحسب ملاحظاتي، فليس التدين هو الذي يأخذ في الازدياد في تركيا -- أي عدد الأشخاص الذين يحضرون الصلوات في المساجد -- وإنما [الآراء] الاجتماعية المحافظة التي يتم غرسها من قبل الحكومة. ويتم استخدام المؤشرات الاجتماعية المحافظة، كارتداء النساء لنوع من الحجاب الاسلامي (العمامة)، كمعايير للحصول على تعيينات حكومية وترقيات وعقود. ومع ذلك فإن [الآراء] الاجتماعية المحافظة، لا تشكل في حد ذاتها مشكلة، وليس هناك أي شك أن باستطاعة تركيا المحافظة أن تكون أوروبية. المشكلة هي أن سياسة من هذا النمط - تحت قيادة حكومية - لا تنسجم مع فكرة [وجود] ديمقراطية ليبرالية. ونظراً لطبيعة تركيا التي تُحكم من قبل الطبقات العليا في المجتمع، فإن [الآراء] الاجتماعية المحافظة التي يقودها حزب العدالة والتنمية تقوم بإعادة تجسيد المجتمع التركي.
كما تقوم أيضاً النخبة الجديدة لحزب العدالة والتنمية بإعادة صياغة السياسة الخارجية التركية. ففي الماضي، تركز نموذج السياسة الخارجية للبلاد حول تعزيز المصالح الوطنية في [الدول] الغربية. أما اليوم، فإن النموذج مبني على نظرة حضارية عن العالم، ويتجلى ذلك من خلال معالجة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان للأحداث الأخيرة في قطاع غزة والسودان. إن تعاطف الحكومة مع حركة حماس والتصريحات القاسية المتعلقة بهجوم اسرائيل على المدنيين تزامنت مع زيارة قام بها نائب الرئيس السوداني إلى أنقرة في الوقت الذي تواجه فيه حكومته اتهامات عن إبادة جماعية من قبل المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. إن قتل مسلمين من قبل غير مسلمين هو موضع اهتمام لدى حزب العدالة والتنمية، ولكن الحزب لا يبدي أي اهتمام إذا قام مسلمون بقتل مسلمين. كما أن المشكلة في الشرق الأوسط بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، لا [تتمثل] بالعنف والمعاناة الإنسانية، وإنما بمعاناة مسلمين على يد غير مسلمين. إن النظرة اللاحقة المناهضة للغرب، والمعادية للولايات المتحدة، والمناهضة لإسرائيل هي النموذج الجديد الذي يروج له النقاد والخزانات الفكرية [معاهد البحث] والصحف القريبة من حزب العدالة والتنمية. فهذا النموذج يحرك الرأي العام، الذي يزداد عداوة للغرب ومناهضة للولايات المتحدة. وبما أن تركيا دولة ديمقراطية، توجد أهمية للرأي العام. كما أن وجهات النظر المعادية للغرب سوف تشل، إن عاجلاً أم آجلاً، شراكة السياسة الخارجية التركية مع الغرب.
وفي ضوء هذه التطورات، ينبغي على إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مشاركة تركيا في مبادرة متعددة الجوانب، ذات معايير قياس واضحة وأساسية، لمنع انزلاق البلاد بعيداً عن الغرب وعن القيم الديمقراطية الليبرالية. يجب على واشنطن التعامل مع تركيا بوصفها دولة غربية، واتخاذ ست خطوات ملموسة لإعادة بناء العلاقات الثنائية. أولاً، ينبغي على الرئيس أوباما أن يحافظ على [توجه سليم باتجاه] تعاون قوي ضد حزب العمال الكردستاني، بما في ذلك المناقشات الجارية مع تركيا، وبغداد وأكراد العراق لتحقيق هذه الغاية. وقد ساعدت المعونات الامريكية التي قدمت لتركيا، منذ عام 2007، - [لإستعمالها] ضد حزب العمال الكردستاني - على تحسين موقف واشنطن في تركيا، وبناء ثقة متبادلة.
ثانياً، ينبغي على الإدارة الأمريكية إعادة بناء التعاون العسكري الثنائي والتأكيد على دور ناتو فى العلاقات الامريكية-التركية. وإذا كانت إدارة الرئيس أوباما لا تتمكن من كسب قلوب وعقول الضباط الأتراك من المستوى المتوسط، لا يمكن لواشنطن الحفاظ على العلاقات العسكرية مع تركيا على المدى البعيد. كما تقدم منظمة حلف شمال الأطلسي معيار قياس يمكن بواسطته التحقق فيما إذا كانت السياسة الخارجية التركية تنزلق بعيداً عن الولايات المتحدة. وحالما يتمكن أوباما من بناء توافق في الآراء بين أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي، مثل موقف مشترك حول إيران، عليه أن يتوقع توافق تركيا مع هذه الآراء.
والخطوة الثالثة هي مواجهة النموذج الجديد المعادي للغرب في السياسة الخارجية التركية. وهنا يترتب على القيادة التركية القيام بالتحرك [المطلوب]. فتركيا تمثل جدار بين الشرق الأوسط والغرب؛ البيانات الموالية للغرب وتلك المعادية له تعطي وزن متكافئ في تشكيل الرأي العام تجاه الغرب. وتبعاً لذلك، ومن أجل تحسين صورة الولايات المتحدة في تركيا، تحتاج الحكومة التركية الى تسليط الضوء - من أجل عامة الشعب - على القواسم المشتركة بين البلدين، بما في ذلك مؤسسات مثل حلف الناتو، وقيم مثل الديمقراطية والأسواق الحرة، ومصالح إقليمية مثل وجود عراق مستقر.
رابعاً، في الوقت الذي يقوم به الرئيس أوباما بتجديد العلاقات عبر الأطلسى، عليه أن يقنع الرئيس الفرنسي أيضاً على المضي قدماً في ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي. فالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو إجراء مهم لدعم القيم الديمقراطية الليبرالية الضعيفة، مثل حرية الاعلام، في تركيا. خامساً، ينبغي تشجيع العلاقات الاقتصادية والتعاون فى مجال الطاقة "لامتصاص الصدمات" في العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا. وتمثل الخطوة الأخيرة تجنب اتخاذ سياسة غير نشطة من قبل الولايات المتحدة؛ [وفي هذا الصدد] فإن سنة 2009 غير مناسبة [لاتخاذ أي خطوة] لجعلها تبدو كما لو أن واشنطن ترفض تركيا.
مارك باريس
يعرف العديد من الناس مفهوم "شفرة أوكام" وهي: إذا كان هناك تفسيران لمشكلة معينة، [فمن الافضل] ان تختار التفسير البسيط. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يتصور أردوغان [كزعيم سياسي] يحرص على جر البيروقراطية التركية بحيث تنسجم مع الناس الذين يشاركونه النظرة نفسها تجاه [القضايا] العالمية، كما يمكن تصوره كشخص له شكوك هستيرية تجاه الصحافة، والذي تقتصر رؤيته على الانتخابات المقبلة، وتنصب مصلحته تجاه الولايات المتحدة وأوروبا وفقاً للمحاسبة "ماذا يمكنك أن تفعل لي". ومن هذا المنطلق، يمكن اختيار أحد أمرين: لدى اردوغان أجندة سرية ويريد فرض نموذج إسلامي على تركيا، أو أنه يسير على نفس ثقافة أسلافه السياسية، ويتصرف بشكل يشبه تصرفهم الى حد كبير، ولا يتراجع عن المثل الديمقراطية.
في مجال السياسة الخارجية، يتميز سجل حزب العدالة والتنمية بتقرب تركيا من السودان، وروسيا، وإيران، وبذلك يرسم صورة مقلقة. لكن تركيا هي ليست الوحيدة التي تتقرب من السودان – بل روسيا كذلك. ويمكن للمرء أن ينظر إلى هذه التغييرات ويلاحظ تحولاً في اتجاه [سياسة] مناهضة للولايات المتحدة، بل وحتى معادية للسامية. أو بالإمكان النظر إلى هذه التغييرات على أنها رد فعل مشترك من جانب العديد من البلدان التي كانت تواجه صعوبات مع جوانب معينة من سياسات الإدارة السابقة.
ينبغي على إدارة أوباما أن تساعد في بناء ديمقراطية ليبرالية في تركيا. فالتهديدات تجاه هذا التقدم تأتي في أشكال مختلفة، كما كان الحال في عام 2007 عندما حذر الجيش التركي حزب العدالة والتنمية من تغيير التوجه العلماني للبلاد. إن أوروبا هي المفتاح للحفاظ على تركيا [لكي تستمر في السير] على الطريق الصحيح.
إيان ليسير
سيكون للأزمة الاقتصادية العالمية تأثير في النهاية على السياسة الخارجية التركية. فقد أصبحت الآثار المترتبة على انضمام تركيا الى عضوية الاتحاد الاوروبي أكثر تكلفة فى ظل حالة عدم الاستقرار الحالية في السوق الدولية، وسوف تنظر الدول الأوروبية إلى تركيا بأنها ستشكل عبئاً محتملاً بصورة أكبر خلال محادثات الإنضمام.
وفي هذه المرحلة، سيكون من الصعب على تركيا الحصول على اهتمام إدارة أوباما. فخلال هذه الفترة من الاضطرابات الداخلية، قد تقوم الولايات المتحدة بالبحث عن "شراكات الصيانة المنخفضة"، ولم تكن تركيا، بالضرورة، شريك سهل للعمل معه. إن استمرار التقارب بين تركيا وشركائها الغربيين أمر مرغوب فيه، ولكن لا ينبغي على تركيا أن تتوقع حدوث معجزات من قبل إدارة أوباما حول قدرة الأخيرة على تغيير موقف الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا. ومع ذلك، ينبغي أن يقوم الرئيس أوباما بزيارة تركيا في إطار جولته الأوروبية للتأكيد على هوية تركيا الأوروبية.
وأخيراً، إن التغييرات التي يتخذها حزب العدالة والتنمية تجاه السياسة الخارجية التركية لا تعتبر بعد الآن مجرد مشروع خاص بالحزب. فجميع الأتراك يؤيدونها. لكن الشئ الخطير بشأن هذا التحول في التوجه ليس بالضرورة اتجاهه، بل الحقيقة بأنه غير متركز وغير محدد الأولويات بصورة واضحة.