أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2152

أسلوب مبتكر لمكافحة التطرف العنيف

هدية ميراحمادي

متاح أيضاً في English

9 تشرين الأول/أكتوبر 2013


لا يزال التطرف المحلي العنيف يشكل أحد أعظم المخاطر التي تواجه الأمن القومي الأمريكي. فوفقاً لتصريحات وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية (سابقاً) جانيت نابوليتانو، "إن من أكثر الأمور اللافتة للانتباه في أنماط التهديدات التي تواجهنا اليوم هو مشاركة مقيمون ومواطنون أمريكيون على نحوٍ متزايد في حياكة مؤامرات للهجوم على أمريكا". فمنذ الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 أيلول/سبتمبر 2001، تورط مئات الأشخاص في أكثر من خمسين مؤامرة أو هجوم محلي في الولايات المتحدة. وقد عملت وكالات إنفاذ القانون الفدرالي بلا كلل على خفض خطر الإرهاب فضلاً عن إحباطها للعديد من المؤامرات الإرهابية. بيد أن تفجيرات ماراثون بوسطن تؤكد على الضرورة الملحة لوضع استراتيجية وقائية للحد من التطرف المحلي العنيف على المستويات الولائية والمحلية، في شراكة مع المجتمعات المحلية المعرضة للخطر.

منهجية على المستوى الفيدرالي

على الرغم من إنفاق ملايين الدولارات على استرايجيات مكافحة الإرهاب، إلا أن الحكومة الأمريكية لا تزال تعجز عن تنفيذ استراتيجية متماسكة متعددة الجوانب للوقاية من التطرف المحلي العنيف، التي تعالج الكثير من العوامل التي تتسبب في اتجاه الأفراد للتطرف العنيف مثل الاغتراب الاجتماعي والاضطرابات النفسية والمظالم السياسية، والأيديولوجيات العنيفة التي تستمد أفكارها من منهج تنظيم «القاعدة». وتقتصر الأنماط الحالية لمكافحة التطرف العنيف إلى حد بعيد على استراتيجيات الشرطة المجتمعية التي تعود إلى تسعينات القرن العشرين والتي تركز على منع عنف العصابات، ومنع المشاركة في جماعات النازيين الجدد، وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة. وفي عام 2011، أصدر البيت الأبيض "«خطة تنفيذ الاستراتيجية لتمكين الشركاء المحليين على منع التطرف العنيف في الولايات المتحدة»." ولكن لهذه الخطة العديد من القيود. فعلى الرغم من أن «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف القائم على العنف» تدرك الدور المحتمل للمجتمعات في التعاون مع سلطات إنفاذ القانون للتصدي لخطر التطرف العنيف، إلا أنها لا تحدد الكيفية التي ينبغي بموجبها أن يقيم المسؤولين الرسميين تلك العلاقات، كما أنها لا تضمن أي معايير قياسية للشراكة. وعلاوة على ذلك، فإن «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف القائم على العنف» لا توفر إرشادات حول الطريقة التي تستطيع بها وكالات إنفاذ القانون إحالة الأفراد المتطرفين إلى التدخلات المجتمعية. وفي الوقت نفسه، توفر الحكومة الفدرالية توجيهاً بسيطاً للمجموعات المجتمعية حول كيفية تولي أمر التدخلات مع الأفراد المعرضين للخطر أو المتطرفين على حد سواء.

وربما توضح عدة عوامل المحاولات الحكومية الجادة لصياغة نموذج تدخل وقائي وكيف أن الحل يكمن في النهاية في المجتمع نفسه. والأمر الأكثر أهمية أن الحكومة الأمريكية "ليست حكومة دينية". ويؤمن الأمريكيون بشكل أساسي بأنه لا يتعيّن على الحكومة التدخل في الأمور الدينية. وبما أن الأيديولوجيات المستلهمة من تنظيم «القاعدة» تطرح فهماً مغلوطاً عن الإسلام، فلا يمكن للحكومة الأمريكية أن تضع رواية مضادة خاصة بالإسلام - حيث تقع تلك المسؤولية على عاتق العلماء المسلمين والأكاديميين والنشطاء. ولسوء الحظ فإن أغلب المفكرين الذين يتمتعون بالخبرة المتعمقة في الدين والفكر التي تمكنهم من وضع هذه الروايات المضادة لا يقومون بذلك لأن غالبية المجتمع لا تطالب بذلك. إن الشخص العادي الذي يرتاد المسجد يجهل أمر المواد التي تحض على الكراهية والتي يعظ بها رجال الدين أمثال المواطن الأمريكي أنور العولقي - أحد قادة تنظيم «القاعدة» سابقاً الذي قُتل [في غارة أمريكية باستخدام طائرة بدون طيار] - حيث تتوافر تلك المواد على شبكة الإنترنت وتباع لمستهلكيها من المراهقين على أنها "صحيح" الإسلام. لذا فمرتاد المسجد العادي هذا قد لا يهتم بكيفية الرد على هذه المواد. وكل ذلك يؤدي إلى العائق الأكبر التالي، ألا وهو غياب التمويل اللازم للحلول المجتمعية. فبدون الموارد المالية المخصصة لإنشاء ونشر الكتب التي تتصدى للفكر الجهادي، ستبقى تلك العناصر الحاسمة خارج المشهد.

ومن المهم أيضاً أن ندرك أن المجتمع المسلم - بشكل واسع - يشعر بالضجر لكونه منعزلاً ويشار إليه على أنه "معرض لخطر" ارتكاب أحداث عنف وإرهاب، لذا فإن أعضاءه يقاومون البرامج الهادفة إلى "نزع تطرفهم". وقد رأينا رداً كهذا تجاه استراتيجية الحكومة البريطانية "الوقائية" لمكافحة الإرهاب، ولوحظت مقاومة مماثلة في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تحمل المجتمع المسلم المسؤولية الأساسية في خفض تهديد التطرف العنيف من جانب الإسلاميين، إلا أن التطرف العنيف في حد ذاته لا يقتصر بأية حال من الأحوال على ديانة واحدة. غير أنه في واقع الأمر، أن أشخاص تحولوا إلى الإسلام قد تورطوا في ست وعشرين مؤامرة مستلهمة من تنظيم «القاعدة» في أكثر من ثلاث وستين مؤامرة كهذه منذ حوادث 11/9. وهكذا، فإن أكثر من ثلث المشاركين وُلدوا في دين آخر غير الإسلام. وعلاوة على ذلك، فإن 45 في المائة من أولئك الأفراد المتهمين بالإرهاب منذ حوادث 11/9 لم يستمدوا أفكارهم من تنظيم «القاعدة». وهذا التنوع في المجندين المتطرفين المحتملين ومرتكبي الجرائم يعزز الحاجة إلى اتباع نهجٍ شامل وكلي لمعالجة مخاطر التطرف ومواجهتها.

مستجدات محلية: مجموعة عمل مجتمع رجال الدين

هناك مبادرة شُكلت مؤخراً بين القطاعين العام والخاص في مقاطعة مونتغومري بولاية ميريلاند الأمريكية ولها هدف محدد وهو معالجة العقبات التي تحول دون التصدي للتطرف. فـ "مجموعة عمل المجتمع المتدين"، التي أقيمت من قبل السلطة التنفيذية في المقاطعة، هي عبارة عن مبادرة مجتمعية مؤلفة من لجنة فرعية مكرسة للسلامة العامة ومنع التطرف العنيف. وبمشاركة من إدارة شرطة مقاطعة مونتغمري، تم إنشاء "مجموعة عمل المجتمع المتدين" (FCWG) للحد من التطرف المحلي من خلال خلق وعي عام حول عوامل الخطورة وتمكين الشخصيات المناسبة للتدخل مع الأفراد المعرضين للخطر. وتضم "مجموعة عمل المجتمع المتدين"، بالإضافة إلى رجال الشرطة، مسؤولين حكوميين ومستشارين خبراء في مجال الصدمات النفسية وناشطين شباب ورجال دين وخبراء في الوقاية من العنف الملتزمون بمكافحة واحتواء النذائر التي تسبق التطرف العنيف، مثل الاغتراب الاجتماعي والاضطرابات النفسية والمظالم السياسية، والأيديولوجيات التي تستمد أفكارها من تنظيم «القاعدة». وفي الاجتماع الأول لـ "مجموعة العمل" هذه في آب/أغسطس 2013، شارك أكثر من سبعين من أعضاء الجماعات الدينية المختلفة جنباً إلى جنب مع مسؤولي المقاطعة والشرطة لاظهار دعمهم للجهد.

ويعتمد نجاح البرنامج على علاقة الثقة بين الشرطة المحلية والمدارس ووكالات الخدمات الإنسانية والصحية والمجتمع المتدين، حيث يتم تحديد الأشخاص المحتمل تطرفهم، بغض النظر عن السبب، كمستفيدين من التدخل. ويتم إحالة كل شخص محتمل تطرفه إلى شريك مجتمعي مناسب للأخذ بنصيحته أو نصيحتها بالابتعاد عن طريق التطرف. وبالنسبة لعامل الثقة، فهو ذو تأثير أيضاً، لاسيما إذا أقر الشريك المجتمعي بأن التدخل قد باء بالفشل وأنه يجب إعادة الشخص "مرةً أخرى" إلى وكالة إنفاذ القانون، إذا لزم الأمر، لضمان السلامة العامة.

وعلى الرغم من حداثة هذا البرنامج، إلا أنه يبشر بأمور واعدة كثيرة. فقد أثبت العديد من الأئمة المحليين التزامهم بإجراء تدخلات دينية، وقد تم استخدام مستشار لمعالجة مشاكل التكيف الثقافي والاغتراب. وسواء كان ذلك في الواقع المأساوي المتمثل في هجوم بوسطن الإرهابي أو حادث إطلاق النار بمدرسة نيوتاون، فقد تم تنبيه المجتمع الأمريكي إلى الحاجة إلى بناء الوعي حول العوامل الاجتماعية والنفسية التي قد تؤدي إلى التطرف العنيف وحول الحاجة إلى تطوع الخبراء المجتمعيين للمساعدة في التعامل مع هذه العوامل. وبالمثل، وخاصة في قضية تفجير الماراثون، نشاهد كيف يجب على المجتمعات المتدينة تهيئة المجال داخل مؤسساتها لمعالجة هذه المشاكل.

نماذج جديدة تناسب وقائع جديدة

إذا نجحت هذه الشراكات بين القطاع العام والخاص، فيجب أن تحصل على الموارد الكافية. وهناك طريقة واحدة لضمان هذا التمويل وهو إعادة تقييم التعاريف الحالية للأشخاص الواقعين تحت خطر العنف. ففي الولايات المتحدة، يشمل التعريف التقليدي الأفراد ذوي الدخل المنخفض والذين لديهم ميول للمشاركة في عصابات أو التعامل بمخدرات. ويتم تخصيص مئات الملايين من الدولارات لبرامج الوقاية من العصابات في جميع أنحاء أمريكا، ولكن هذه البرامج غير مجهزة للتعامل مع حالات التطرف العنيف. وهناك واقع واحد جديد في الولايات المتحدة وهو وجود عدد غفير من الشباب الذين ربما يعانون من الصدمة النفسية والاجتماعية للحرب أو الصراع، خاصة من البلدان ذات الأغلبية المسلمة بما في ذلك المهاجرين من العراق أو أفريقيا أو باكستان أو أفغانستان. ويمكن لارتفاع معدلات اضطرابات القلق - المرتبطة بالتوتر أيضاً، أن يجعل أحد الأفراد عرضةً لنوبات الهياج العنيف. وبينما تتغير الاتجاهات الديموغرافية للسكان في الولايات المتحدة، فيجب تغيير تخصيص الموارد لتعكس احتياجات الخدمات الهامة للتعداد السكاني الآخذ في التزايد.

ويمثل "الصندوق العالمي لإشراك المجتمع والمرونة" خطوة هامة في دحض الروايات المستلهمة من تنظيم «القاعدة»، ولكن يجب على المسؤولين أن يستمروا في استكشاف حلول مبتكرة داخل الولايات المتحدة. ويستحق نموذج مقاطعة مونتغومري المقترح نظر حكومة الولايات المتحدة، وبالتأكيد قد يكون قابل للتوسع والتكرار في أجزاء أخرى من بلاد العم سام.

 

هدية ﻣﻴﺮاﺣﻤﺎدي هي زميلة زائرة في معهد واشنطن ورئيسة "المنظمة العالمية لتنمية الموارد والتعليم" (WORDE)، التي تتمثل مهمتها في تعزيز التفاهم بين المجتمعات المسلمة وغير المسلمة من أجل تخفيف حدة النزاعات الاجتماعية والسياسية.