أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

تنبيه سياسي

تنظيم «القاعدة» يعلن إقامة دولة إسلامية في سوريا

هارون ي. زيلين

متاح أيضاً في English

9 نيسان/أبريل 2013


في وقت مبكر من صباح الثلاثاء التاسع من نيسان/أبريل، نشر الشيخ أبو بكر الحسيني القرشي البغدادي -- زعيم "دولة العراق الإسلامية"، وهي فرع من تنظيم «القاعدة» -- رسالة صوتية أعلن فيها مدّ نطاق "دولة العراق الإسلامية" إلى بلاد الشام، مما يعني فعلياً ضم الجماعة الثورية الجهادية السورية "جبهة النُصرة" إلى أحضان منظمته. ويأتي ذلك في أعقاب الرسالة المصورة التي نشرها زعيم القيادة المركزية لـ تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري قبل يومين يدعو فيها إلى توحيد الجهاد في سوريا. ولم يكن هذا من باب المصادفة -- وإنما يبرز الأهمية المستمرة للقيادة المركزية لـ «القاعدة». ورغم أن إعلان بغداد يؤكد ما اعتقده كثيرون بالفعل وما ذكرته الولايات المتحدة في كانون الأول/ديسمبر في تسميتها لـ "جبهة النُصرة" كجماعة إرهابية، إلا أن كلماته توفر تفسيرات هامة عديدة.

فرسالة بغداد المصورة توضح أن تنظيم «القاعدة» لم يعلن من قبل عن صلته بـ "جبهة النُصرة" لسببين: المخاوف الأمنية، والرغبة في أن يتعرف السوريون على "جبهة النُصرة" وفق شروطهم هم دون أن تحول بينهم "التأويلات الإعلامية الخاطئة" في وقت مبكر، بسبب السمعة السيئة الناجمة عن الارتباط بـ تنظيم «القاعدة». ويتماشى ذلك مع التكتيك الشامل الذي استخدمته «القاعدة» في أماكن مختلفة في حقبة ما بعد الانتفاضة العربية.  وفي اليمن، على سبيل المثال، أوضح مسؤول الشريعة الراحل في تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» أبو الزبير عادل بن عبد الله العباب في نيسان/أبريل 2011 سبب إقدام الجماعة على إعادة تصنيف نفسها تحت مسمى "أنصار الشريعة في اليمن"، بقوله: "هذا ما نستخدمه لتقديم أنفسنا في المناطق التي نعمل فيها لتعريف الناس عن أعمالنا وأهدافنا". وبالمثل، شهدت تونس وليبيا إقامة مجموعات من "أنصار الشريعة" تعمل محلياً ولكنها تؤمن -- على الأقل على مستوى القيادة -- بالأيديولوجية العالمية لـ تنظيم «القاعدة».

والأهم من ذلك، توضح رسالة بغداد أن القيادة المركزية لـ تنظيم «القاعدة» في باكستان لا تزال تمثل أهمية للجهاد العالمي الذي دعت إليه في البداية عام 1998. وعلى الرغم من عدم الإعلان رسمياً عن إقامة "جبهة النُصرة" حتى أواخر كانون الثاني/يناير 2012، تشير الأدلة إلى أنها أُقيمت أصلاً في صيف 2011. وفي كانون الثاني/يناير 2013، أوضح أحد كبار قادة "جبهة النصرة" في حلب يُدعى  أبو لقمان لـ "هيئة الإذاعة البريطانية" بأنه انضم إلى الجماعة في مراحلها الأولى قبل ستة أشهر من نشرها لأول فيديو عام. ويبين ذلك أن "جبهة النصرة" تأسست في أواخر تموز/يوليو 2001 -- وهو إطار زمني دعمته مقابلات أجريت مع مقاتلين آخرين ينتمون لـ "الجبهة" كانوا قد أجروا حوارات مع وسائل إعلام غربية وعربية.

ويتزامن التاريخ الذي ذكره أبو لقمان أيضاً مع الفيديو الأول الذي نشره أيمن الظواهري المتعلق بالانتفاضة السورية، والذي تم بثه في 27 تموز/يوليو 2011. ففيه قال إنه يؤيد "المسلمين في بلاد الشام، أرض الرباط والجهاد والمجد والعروبة والشهامة." وفي سياق إعلانه الأخير حول سوريا، يشير ذلك إلى أن القيادة المركزية لـ تنظيم «القاعدة» كانت على علم بإقامة "جبهة النُصرة" قبل عامين -- وربما أمرت بإقامتها أيضاً.

ومن غير المحتمل، على المدى القصير، أن يكون لإقامة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" تأثير كبير على الانتفاضة السورية. فـ "جبهة النُصرة" تقوم بالفعل بلعب دور أساسي في ساحة المعركة، والأهم من ذلك، تنخرط في أعمال الإدارة المحلية للقرى وأجزاء من المدن في شمال وشرق سوريا، بالتعاون مع الفصائل السلفية الأخرى مثل "حركة أحرار الشام الإسلامية". إن قدرة الجماعة على توفير الأمن والاحتياجات الأساسية (الخبز والوقود) لمدنيين سوريين، فضلاً عن إعادة فتح المحلات التجارية وإعادة تشغيل خدمات الحافلات، قد أتاحت لها مساحة للمناورة حتى لو لم يتوافق الناس بصورة طبيعية مع أيديولوجيتها. وعلى أية حال، لا يكاد يكون أمام السكان المحليين بديل آخر عند هذا المنعطف -- فالسبب وراء صعود "جبهة النُصرة" في المقام الأول هو فشل الثوار المنتمون إلى "الجيش السوري الحر" في توفير هذه الخدمات الأساسية. وبدلاً من ذلك، قامت بعض الفصائل بنهب وابتزاز المدنيين وفرض ضرائب عليهم تتجاوز طاقاتهم. وفي المقابل، باعت "جبهة النُصرة" سلعاً بأقل من تكلفة السوق ووفرت مستوى من الكفاءة والفعالية من خلال التخطيط الممنهج والمنظم للمدن.

ومع ذلك، فإن الإعلان عن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" قد يؤتي بنتائج عكسية على المدى المتوسط إلى الطويل. وفي حين نالت مساعدات "جبهة النُصرة" في أعمال الإدارة المحلية تقدير المدنيين، إلا أن المزيد من الناس أصبحوا يظهرون علامات الامتعاض والاستياء بسبب فرص الجماعة للمعتقدات الإسلامية الصارمة. فقد انتقد السكان في عدد من المدن "جبهة النُصرة" بسبب حظرها الكحول، وإجبارها النساء على ارتداء النقاب، وجلدها الرجال الذين يسيرون مع النساء في الشوارع. وعقب إعلان بغداد، قد يكون هؤلاء الناس أكثر ميلاً للنظر إلى هذه التدابير على أنها فرض خارجي للإمبريالية الجهادية. وبعد بيان ما سبق، يرجح أن تتوطد قوة أعضاء "جبهة النُصرة" ونفوذهم بطريقة تحول دون أي رد فعل معاكس واسع النطاق على المدى القصير، طالما يُنظر إليهم كـ وسطاء عادلين عندما يتعلق الأمر بأعمال الإدارة المحلية.

ويُظهر ذلك الحاجة إلى قيادة أمريكية في الصراع السوري -- وخاصة فيما يتعلق بمساعدة الثوار غير المنحازين لـ تنظيم «القاعدة» -- على احتواء نمو "جبهة النُصرة" وجماعات مماثلة.  يجب على واشنطن أن تحاول أيضاً الاستفادة من الانقسامات في صفوف الثوار والسكان المدنيين، لأن "جبهة النُصرة" هي خارج التيار الرئيسي ومعنية أكثر بتأسيس خلافة عابرة للحدود من الحفاظ على الدولة السورية.

 

هارون ي. زيلين هو زميل ريتشارد بورو في معهد واشنطن