المرصد السياسي 1923
بعد موعد عنان النهائي: خيارات للسياسة الأمريكية تجاه سوريا
متاح أيضاً في English
11 أبريل 2012
"ستُحْسن واشنطن صنعاً إن هي مدت الدعم إلى المعارضة "داخل سوريا" عبر ائتلاف «مجموعة أصدقاء الشعب السوري»."
يمثل تجاهل بشار الأسد التام بالموعد النهائي الذي حدده مبعوث الأمم المتحدة الخاص كوفي عنان وهو 10 نيسان/ أبريل لانسحاب قوات النظام من المراكز السكنية، آخر المؤشرات على أنه ليس لدى دمشق النية لتنفيذ خطة المبعوث الدولي ذات النقاط الستة لحل الأزمة السورية. وحقيقة أن قوات النظام المسلحة ستبقى في المناطق السكنية وحولها عندما يسري وقف إطلاق النار المقترح في فجر 12 نيسان/ أبريل يعني أن التجمع والتعبير عن النفس سلمياً - وهي المبادئ الجوهرية للسياسة الأمريكية تجاه سوريا في العام الماضي- سيكونان بالفعل مستحيلين. وبالإضافة إلى مطالب النظام الأخرى التي تتجاوز نطاق اتفاقية عنان، يبدو الآن أنه على الرغم من أن مبادرة الأمم المتحدة ربما تقلل مؤقتاً - على أحسن تقدير - بعض المعاناة الإنسانية إلا أنه من المستبعد أن أن تكون قادرة على توفير حل سياسي ينهي الأزمة. ولذا فستحسن الولايات المتحدة صنعاً لو مدت دعمها للمعارضة "داخل سوريا" عبر ائتلاف مكوّن من الأعضاء الأساسيين في «مجموعة أصدقاء الشعب السوري» التي اجتمعت في اسطنبول الأسبوع الماضي.
عدم الامتثال لخطة عنان
على الرغم من تأكيدات وزير الخارجية السوري وليد المعلم في موسكو أن نظام الأسد يطبق خطة عنان ذات النقاط الستة إلا أن التطورات على أرض الواقع تؤكد العكس. فقد تعهد نظام الأسد في النقطة الثانية من الخطة أن "يوقف على الفور تحركات القوات باتجاه المناطق السكنية وأن ينهي استخدام الأسلحة الثقيلة فيها ويبدأ سحب الحشود العسكرية في المناطق السكنية وحولها." وفي الأسبوع الماضي وحده كثف النظام قصفه لقرى وأحياء في مختلف أنحاء سوريا مما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص وفقاً لمصادر من المعارضة. وفي 6 نيسان/ أبريل عرضت وزارة الخارجية الأمريكية صوراً ملتقطة بالأقمار الصناعية تظهر أن قوات الجيش السوري لم تنسحب من المناطق السكنية وفق ما نصت عليه خطة عنان ولكنها أعادت التموضع فقط قرب المناطق السكنية. وفي 11 نيسان/ أبريل أفادت "لجان التنسيق المحلية" في سوريا عن وجود قصف وتحركات للقوات في المدن وإصابة أكثر من مائة شخص. وقد استغلت دمشق خطة الأمم المتحدة لكسب محاولة فرض "حلها الأمني" عبر أنحاء البلاد وتقليص حيز الاحتجاجات السلمية وإملاء الشروط من الأعلى. وبالنظر إلى استمرار الاحتجاجات والمقاومة المسلحة نجد أن دمشق قد فشلت مرة أخرى.
لقد كانت العلامات الدالة على عدم امتثال دمشق للخطة واضحة ومن السهل التعرف عليها. ففي 5 نيسان/ أبريل قال ممثل سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري إن الاتفاق لسحب تشكيلات الجيش لم يشمل "قوات الشرطة" - وتلك إشارة مبهمة لقوات أمن النظام التي كانت مشاركة بشكل رئيسي في عمليات القمع. ثم في 8 نيسان/ أبريل أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية جمال مقدسي أن التوقع بأن دمشق سوف تلتزم بتعهدها لعنان بسحب قواتها العسكرية في 10 نيسان/ أبريل يُعد "تفسيراً خاطئاً". وقد استمر في تقديم المزيد من المطالب خارج اتفاقية الأمم المتحدة التي تشمل حصول عنان على "ضمانات خطية" من المعارضة بوقف العنف وكذلك من قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا بوقف "تمويل وتسليح الجماعات الإرهابية" وهي التسمية التي يُطلقها نظام الأسد على المعارضة السورية ككل.
والأهم من ذلك، أن نظام الأسد قد فشل في تنفيذ النقطة الثانية من خطة عنان - وهي سحب القوات من المناطق السكنية - لأنه يعرف أنه ليس بوسعه تنفيذ النقطة السادسة من الخطة وهي: "احترام حرية التجمع والحق في التظاهر السلمي حسبما يكفله القانون." ويعرف الأسد جيداً أن المحتجين المسالمين الذين واصلوا أنشطتهم بلا هوادة، بينما ركز المجتمع الدولي اهتمامه على المعارضة المسلحة، سيملؤون الميادين الرئيسية في سوريا ويطالبون برحيل الأسد أو ما هو أسوأ. ولمنع هذا السيناريو وصم الأسد المحتجين السلميين بأنهم "إرهابيون" واستخدم الذخيرة الحية لقمعهم. والجانب الوحيد من خطة عنان الذي ربما يكون قابلاً للتطبيق على الفور هو الوقف المؤقت للأعمال العدائية لتوفير المساعدات الإنسانية بالإضافة إلى دخول الصحفيين ومراقبي الأمم المتحدة.
العمل على حل المشكلة من القاعدة إلى القمة
سوف تستمر الجهود الدبلوماسية في لعب دور مهم في الوقت الذي تتكشف فيه الأزمة السورية. وفي النهاية ربما تكون روسيا والصين مهمتين كجزء من أي جهد لجعل الأسد يتنحى والترحيب بحكومة سورية أكثر مسؤولية لتلبية مطالب السكان الشباب السوريين. بيد، إن عدم اكتراث الأسد بالموعد النهائي لخطة عنان وكذلك محاولته - عن طريق روسيا - طمس المبادئ الأساسية للاتفاقية من خلال إدخال مراقبين قبل وقف إطلاق النار إنما يُظهر جلياً حدود الدبلوماسية في هذا الوقت.
ولحسن الحظ فإن لدى الولايات المتحدة خيارات. فهي عضو في «مجموعة أصدقاء الشعب السوري» وهو ائتلاف مكوّن من ثلاث وثمانين دولة اجتمعت للمرة الثانية في 1 نيسان/ أبريل في اسطنبول لدعم الشعب السوري والاستعداد لسوريا ما بعد الأسد. وستكون واشنطن في وضع جيد للعمل مع الأعضاء الأساسيين الآخرين بهذه المجموعة والتي تشمل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا والسعودية وقطر لتشكيل وقيادة ائتلاف من الدول لدعم المعارضة السورية بصورة أكثر مباشرة داخل سوريا والاستعداد لجميع حالات الطوارئ التي تخص الأزمة السورية. وثمة دول مختلفة سوف تلعب أدواراً مختلفة داخل هذا الائتلاف. فعلى سبيل المثال ألمحت دول الخليج بالفعل عن استعدادها للمساعدة على تسليح المعارضة داخل سوريا. كما تركيا التي كان عليها أن تتعامل هذا الأسبوع مع النيران القاتلة من القوات السورية في معسكر أونكوبينار السوري قرب محافظة كيليس تفكر الآن في إيجاد طرق لتوجيه الدعم للمعارضة، ويتردد أنها قد وضعت خطة طوارئ لإقامة ملاذات آمنة للاجئين على الحدود داخل الأراضي السورية. وحتى الآن، تعهدت الولايات المتحدة رسمياً بتقديم مساعدات غير تسليحية للمعارضة داخل سوريا والتي يمكن أن تشمل أجهزة اتصالات.
وللضغط على الأسد لإنهاء العنف ضد السكان وإيجاد مخرج في نهاية المطاف، سيتطلب الأمر تقديم المزيد من المساعدات الأمريكية إلى المعارضة داخل سوريا. وعلى المدى القصير ينبغي على الولايات المتحدة أن تشاطر المعارضة بتقديمها استخبارات محدودة حول نشر وتحرك قوات نظام الأسد - الأمنية والعسكرية وشبه العسكرية المتمثلة في "الشبيحة" - داخل سوريا وخاصة عندما تقترب من المراكز السكنية لغرض شن هجوم. وسوف يساعد ذلك على تخفيف الآثار المترتبة على نهج الأسد في التعامل مع المعارضة على طريقة "لعبة ضرب الجرذان حالما تظهر" حيث تحاول قوات النظام تمشيط المناطق - وهو التكتيك الذي يزيد من عدد القتلى وتدفقات اللاجئين - ولكن لا يمكنها الاحتفاظ بها.
ثانياً، ينبغي على الولايات المتحدة تدقيق فحصها للمعارضة داخل سوريا سواء تلك الكيانات التي تمارس المقاومة العنيفة أو غير العنيفة ضد النظام. وينبغي أن تتضمن هذه الدراسة سبل دعم دفاع الشعب عن نفسه إلى جانب المقاومة المدنية باعتبارهما وجهي العملة للمعارضة. وسوف تكون الخطوة الرئيسية الأولى هي تدقيق عملية تحديد الجماعات التي يمكن لواشنطن العمل معها والتي لا تشاطر فقط واشنطن هدفها قصير المدى وهو الإطاحة بالأسد بل أهدافها طويلة المدى أيضاً والتي تشمل قيام سوريا علمانية بعد الأسد تحترم حكومتها حقوق الأقليات.
ثالثاً، ينبغي على واشنطن أن توسّع فوراً تخطيط حالات الطوارئ لديها بشأن احتمال دعم عسكري مباشر تقوم به الولايات المتحدة كجزء من تدابير وقف المذابح أو الكارثة الإنسانية في تلك البلاد. ويشمل ذلك دعم إنشاء ملاذات آمنة داخل سوريا بمساعدة حلفاء مثل تركيا.
الخاتمة
يُظهر فشل خطة عنان أن عملية الأمم المتحدة ربما تكون قادرة مستقبلاً على معالجة أعراض المرض - وهي التداعيات الإنسانية للأزمة - لكن من غير المرجح أن تستطيع معالجة المرض نفسه، وهو حكم نظام الأسد الوحشي - الذي يمثل الأقلية - الذي يهيمن على أغلبية السكان السنة ذوي الشريحة الأصغر سناً في الشرق الأوسط خارج الأراضي الفلسطينية. ينبغي على واشنطن مواصلة الضغط لاستصدار قرارات من قبل مجلس الأمن أو بيانات تدين الأسد، لكن من غير الصائب أن تبني منهجها على احتمالية وجود إجماع دولي تجاه الأزمة السورية.
وما تزال أفضل السبل لقطع قاعدة الدعم لنظام الأسد هي فضح الرد الوحشي للنظام تجاه المعضلات التي تفرضها المعارضة المدنية والمسلحة داخل سوريا. وما يجري في سوريا ليس حرباً أهلية ولكن تمرد مسلح وغير مسلح ضد النظام الذي واجه الاحتجاج السلمي بوحشية متطرفة. غير أن المعارضة السورية في المنفى المنظمة تحت مظلة "المجلس الوطني السوري" ربما تكون مليئة بالانقسامات. ولكن في الوقت الذي تحوّل فيه الصراع في سوريا تدريجياً إلى تمرد مدني ومسلح ضد النظام فإن التنسيق بين جماعات المعارضة المتشظية داخل سوريا قد تكثف من أجل البقاء والنجاة فقط. وتحتاج الولايات المتحدة إلى ايجاد سبل لتعزيز هذا الاتجاه ومساعدته والتأثير عليه.
أندرو جيه. تابلر هو زميل الجيل التالي في برنامج السياسات العربية في المعهد، ومؤلف الكتاب "في عرين الأسد: رواية شاهد عيان لمعركة واشنطن مع الأسد."