أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المجهر السياسي 104

أفعال، وليس مجرد مواقف: نموذج جديد للعلاقات العربية الأمريكية

ديفيد بولوك, , و

متاح أيضاً في English

حزيران/يونيو 2010


ملخص تنفيذي

 

التصور العام هو خاطئ تماما حول العلاقات الامريكية العربية خلال العقد الماضي. فعندما نقيس السلوك بمعايير موضوعية نجد أن العلاقات مع كل الحكومات العربية – وغالب الجماهير العربية – قد تحسنت باستمرار وقوة بعد السنة الأولى من حرب العراق.

وفي كثير من الحالات تظهر هذه الأرقام أن الجوانب الرئيسة من العلاقات الثنائية كانت جيدة أو على الأقل أفضل – على المستويين الرسمي والشعبي – في عام 2006-2008 في ظل حكم الرئيس بوش منها تحت حكم كلينتون في عام 2000. وهذا صحيح رغم أن استطلاعات الرأي العربية تؤكد تدني الصورة الأمريكية بشكل حاد لدى الشعوب العرب خلال ذلك العقد.

كما أن السنة الأولى من حكم الرئيس أوباما قد أظهرت استمرارا – وليس تغيرا- لهذا الاتجاه. وعلاوة على ذلك فإن القياسات السلوكية تظهر أن الإصلاحات العربية الداخلية سواء السياسية منها أو الاقتصادية قد حققت المزيد من التقدم عندما كانت تدعمها إدارة بوش في 2003-2005 وتحديدا عندما كانت الصورة الأمريكية في الدول العربية عند أدنى مستوياتها.

فالاستطلاعات والإعلام كلاهما يخبرنا أن العرب قد أحبوا بيل كلينتون وكرهوا جورج بوش وأنهم يعلقون أو على الأقل كانوا يعلقون آمالا عريضة على باراك أوباما. وبالمثل بالنسبة للولايات المتحدة نفسها اعتبارا من 2008 حيث واصلت وجهات النظر الإيجابية عن أمريكا الهبوط لدى من هم في العشرينيات أو المراهقين أو حتى من هم أدنى منهم عمراً وكذلك في مجموعة الدول العربية القليلة التي أجريت فيها الاستطلاعات. وفي تناقض حاد في عام 2009 وجدنا أن الرئيس الجديد قد تمتع بمعدلات ترحيب أغلب العرب مما جعله يزيد على جورج بوش بفارق 40 أو 50 نقطة بينما تحسنت أيضا الصورة الأمريكية في هذه الدول بصورة ملحوظة. فقد توقع الإعلام الأمريكي والعربي والخطاب الرسمي على كلا الجانبين بداية عهد جديد في العلاقات الأمريكية العربية.

لكن هذا المشروع البحثي ليس عن استطلاعات الرأي أو النقاد أو الرأي العام وإنما هو يبدأ بسؤال بسيط: خلال العقد الماضي منذ كلينتون ومرورا ببوش وحتى أوباما ما هو سجل السلوك العربي الفعلي تجاه الولايات المتحدة؟

هذا السؤال الأولي يمكن أن تتفرع منه بعض الأسئلة الثانوية والقابلة للقياس المرتبط بالبحث. على سبيل المثال:

• بسبب المواقف العربية العكرة تجاه الولايات المتحدة، هل قطعت الدول العربية إجمالا علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة أو صفقاتها من الأسلحة الأمريكية؟

• هل لم يعد العرب يهتمون بالسفر أو الدراسة في الولايات المتحدة أو شراء الماركات الأمريكية؟

• هل انفجرت المظاهرات المعادية لأمريكا في الشوارع العربية؟

• هل تراجعت الدول العربية عن الإصلاح السياسي أو الاقتصادي عندما كلن هذا الإصلاح بدعم من واشنطن؟

• واليوم، هل تُرجمت معدلات الترحيب العربية الكبيرة بأوباما والدولة ككل إلى تحسن ملموس في التفاعل العربي مع أمريكا؟

تثبت الأدلة التي يقدمها هذا التقرير أن الإجابة على كل هذه الأسئلة هي "لا". ويشكل تحليل البيانات الدامغة وراء هذه النتائج التي تنافي الحدس الجزء الأكبر من هذا التقرير. وفي الحقيقة تؤكد هذه النتائج أننا نحتاج إلى نموذج جديد نفهم من خلاله العلاقات الأمريكية العربية وهو النموذج الذي من شأنه أن يركز على الأفعال أكثر من المواقف.

وما يزال العمل جاريا لإكمال هذا النموذج كما أنه عرضة للتصحيح والتحديث والتنقيح المستمر ولن يُقدم باعتباره الحقيقة المطلقة. لكنه يطمح إلى أن يضيف بعداً هاماً – الذي هو مع الأسف مهمل – لفهمنا بحيث يُكمل المناهج النوعية الأخرى أو تلك التي تركز بشكل أكبر أو بصفة حصرية على البيانات السلوكية.

ويجيب هذا الملخص على أربعة أسئلة وهي: ما هو هذا النموذج الجديد؟ ما الجديد الذي يقدمه عن العلاقات الأمريكية العربية؟ كيف يمكننا شرح هذه النتائج المفاجئة؟ وأخيرا، ما الذي يعنيه كل هذا للسياسة الأمريكية عموما وللرئيس أوباما خصوصا؟

النموذج الجديد:

الفكرة الرئيسة وراء النموذج الجديد بسيطة. أولاً: دع عنك كل الاستطلاعات وكل التغطية الإعلامية والتعليقات وكل البيانات الرسمية والخطاب الدبلوماسي، ثم أوجد طريقة لإحصاء الكثير من الأنواع المختلفة للسلوك العربي الفعلي وخاصة ذلك المتعلق بالعلاقات الأمريكية العربية أو باختصار: ما يفعله العرب وليس ما يقولونه. تأكد أنك تفعل ذلك لكل من السلوك الحكومي والشعبي، فالسلوك الحكومي مثلا يستخدم مدخلات من قبيل استطلاعات الأمم المتحدة وصفقات الأسلحة والتجارة الثنائية إجمالا؛ لكن السلوك الشعبي يركز على السفر والدراسة في الولايات المتحدة وشراء المنتجات الأمريكية. بعد ذلك اجمع كل البيانات المتعلقة بهذه السلوكيات لعشرين دولة عربية مختلفة خلال العشر سنوات الماضية، وتتبع كل تقرير مؤكد عن المظاهرات المعادية لأمريكا أيضا. ثم بعد ذلك حدد كيف توثق وتقيم وتعدل المبالغات والتحريفات الأخرى ، ثم اجمع وحلل وقدم كل البيانات وفي ذات الوقت قارن العلاقات العربية مع الدول الأخرى بجانب الولايات المتحدة. وأخيراً حاول الخروج بنتيجة من كل الأدلة مع التركيز على المواقف عبر الزمن والتي تتعلق بالعالم الواقعي وسمها: "مؤشر السلوك العربي" .

وبالإضافة إلى "مؤشر السلوك العربي"، ابتكر المؤلفون طريقة جديدة لإحصاء التغيرات في الإصلاح العربي السياسي والاقتصادي خلال العقد الماضي تتمثل في: "مؤشر الإصلاح العربي". ومن الواضح أن هذه التغيرات ما هي إلا قياس غير مباشر للعلاقات الأمريكية العربية. ولكن نظراً لأن الإصلاح السياسي والاقتصادي كانا هدفين رئيسين أعلنتهما الولايات المتحدة للمنطقة أثناء هذا العقد، فإن من الأهمية بمكان فحص ما حدث بالفعل من تقدم أو تراجع في كل دولة ووقته وما إذا كان ذلك مرتبط بالولايات المتحدة بأية صورة من الصور.

لكن وبالطبع لا يكتمل أي بيان للمنهجية بدون بعض التنبيهات. أولاً، بعض الجوانب المهمة في العلاقات الأمريكية العربية لا يمكن قياسها، مثل: التغيرات المناخية والشخصيات وأحداث دبلوماسية أو قضايا أمنية محددة وغيرها. وثانياً، أي تعميم عن الدول العربية هو محل ارتياب بلا شك فهناك العديد والعديد من الاختلافات الفردية المهمة. وثالثاً، بينما أن بياناتنا هي أفضل المتاح إلا إنها ليست تامة كما أن الطرق التي استخدمناها لتقييمها وتعديلها وجمعها ليست هي الوحيدة التي يمكن توظيفها بشكل معقول في هذا الميدان، ولذلك فنحن نقبل المقترحات بصدر رحب لتجويد العمل.

ومع ذلك، فإنه يمكن قياس العديد من الأشياء المهمة بل ويمكن الخروج ببعض التعميمات المهمة. وبغض النظر عن التفاصيل المنهجية، فثمة درس مهم واضح من هذا التمرين. فكما هو الحال مع أية مجموعة، يمكن أن تكون المواقف والأفعال العربية مختلفة جدا. ومن الآن فصاعدا، فإن أي تقييم جاد لرؤية العرب للولايات المتحدة ينبغي أن يستعلم ليس فقط عن اتجاهاتهم ولكن أيضا عن أفعالهم. ومن الواجب العثور على دليل قوي وإيراد بعض التقارير ذات المغزى عما يفعله العرب والحكومات العربية في الواقع وليس مجرد ما يقولونه.

"مؤشر السلوك العربي"

يشير "مؤشر السلوك العربي" إلى هبوط حاد في العلاقات الأمريكية العربية تقريبا في كل فئة خلال أول عامين من رئاسة بوش حتى وصل إلى أدنى نقطة في 2003. وقد هبط معدل الالتحاق الطلابي وانخفضت بصورة كبيرة معدلات الحصول على تأشيرة السفر، وقل بصورة حادة تصويت الدول العربية مع الولايات المتحدة في الأمم المتحدة كما انخفضت صفقات الأسلحة الأمريكية إلى المنطقة بالمعنى النسبي والمطلق للكلمة. وحسب بعض القياسات فإنه حتى التجارة الثنائية إجمالاً قد عانت بصورة طفيفة في البداية كما تصاعدت بشدة وتيرة المظاهرات المعادية للولايات المتحدة في العديد من الدول العربية مع بداية الحرب في العراق.

لكن في أغلب الفئات كان هناك صعود سريع وكبير في كثير من الأحيان، وكان هذا صحيحا على المستويين الشعبي والرسمي، كما تضاءلت الاحتجاجات المعادية لأمريكا بصورة كبيرة بعد 2005 حتى بعد وصول المظاهرات المعادية لإسرائيل إلى ذروتها خلال حربي لبنان وغزة في 2006 وأوائل 2009 فضلا عن المظاهرات المتزايدة حول قضايا محلية في مصر والعراق ولبنان والبحرين والكويت وغيرها. وعند اندلاع حرب العراق شارك أكثر من ثلاثة ملايين عربي في المنطقة في مظاهرات ضد أمريكا وهو ما يمثل واحداً بالمائة من إجمالي سكان العرب. لكن المتوسط لكل عام آخر في العقد الماضي كان أقرب إلى نصف مليون، لكنه انحدر بشدة في السنوات الأخيرة.

والقصة مشابهة فيما يتعلق بعدد المظاهرات المختلفة. فمن 2000 وحتى 2005 كانت هناك 539 مظاهرة كبيرة ضد أمريكا في أرجاء المنطقة، بما يصل إلى متوسط ست مظاهرات لكل دولة في كل عام، حيث جاءت العراق في المقدمة في هذا الصدد. وبالعكس فإنه من 2006 حتى 2009، أفادت التقارير وجود 132 مظاهرة فقط مما يعني في المتوسط مظاهرتين لكل دولة في العام بينما ما تزال العراق في المقدمة أيضاً.

وفي الفئة الاقتصادية نجد بعد 2003 أن نمو الصادرات الأمريكية إلى الدول العربية كان مذهلاً حيث ارتفع فجأة من 18.2 مليار دولار في 2000 إلى 46.3 مليار دولار في 2008 بقيمة دولارية ثابتة. وقد كان هذا النمو مذهلا بشكل خاص بين الماركات والبضائع الأمريكية الاستهلاكية. فقد زادت مبيعات السيارات الأمريكية خمسة أضعاف في السعودية وعشرة أضعاف في الإمارات العربية المتحدة ما بين عامي 2003 و2008. كما زادت مبيعات السلع الاستهلاكية الأخرى بأكثر من خمسين بالمئة في أرجاء المنطقة حتى بعد التعديل للتضخم. وقد أعلنت بروكتر آند جامبل بفخر أن منتجاتها تستخدم في كل تسعة من عشرة بيوت مصرية، كما زاد الطلب على منتجات شركة كرافت فودز في المنطقة كعامل رئيس في نموها العالمي في 2006 و2007. وحتى عندما يقول العرب إنهم يكرهون الماركات الأمريكية فهم في الواقع يحبون الماركات الأمريكية!

وبالمثل فإن معدلات التحاق الطلاب العرب في الولايات المتحدة قد هبطت إلى أدنى المعدلات في 2005 لكنها الآن قفزت متجاوزة أعلى نقطة سجلتها في بداية العقد، حتى بعد أن أنشأت الكليات الأمريكية فصولاً دراسية لها عبر الفضائيات في المنطقة. كما ارتفع عدد الزوار العرب للولايات المتحدة منذ 2003 حتى وصلت زيارات أفراد بعض الدول إلى أعلى مما كانت عليه قبل أحداث 11 سبتمبر. وبعبارة أخرى فإن العرب من كل دولة عربية تقريبا كانوا يسافرون ويدرسون بالولايات المتحدة بل، وعلى نطاق أوسع، كانوا يشترون الماركات والأصناف الأمريكية برغم كرههم العام للرئيس الأمريكي والسياسات الأمريكية والولايات المتحدة نفسها طبقا لجميع الاستطلاعات. وهذا لا يعني أن العرب منافقون في مشاعرهم لأن هذه الأمور من طبائع البشر.

وأما عن الحكومات العربية، فإن غالبها بالفعل قد طور علاقاته الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية مع واشنطن منذ عام 2004 وحتى 2008 قبل أن يأتي أوباما بفترة طويلة. كما أن مبيعات الأسلحة الأمريكية، التي تعد في الغالب المؤشر الذي يمكن الاعتماد عليه للتعاون الأمني بوجه إجمالي، زادت بصورة ملحوظة تقريبا مع كل حكومات العرب، وكانت الاستثناءات الوحيدة هي سوريا والسودان والسلطة الفلسطينية. كما أن إجمالي التجارة مع غالب الدول العربية قد نما بصورة كبيرة أيضا. وقد ظلت سوق الأسهم الأمريكية مقارنة بالمصدرين الآخرين بوجه عام ثابتة بل وتحسنت في بعض الحالات، من بينها تونس وعمان وموريتانيا والعراق وليبيا.

وخلال نفس سنوات بوش، تمتعت الولايات المتحدة كذلك بزيادة التعاون العسكري وجهود مقاومة الإرهاب مع كل الدول العربية تقريباً باستثناء سوريا، سواء مع الحلفاء التقليديين مثل مصر والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي والأردن أو الدول الأخرى مثل الجزائر واليمن. وكان هناك تحول كامل في العلاقات مع ليبيا التي تحولت من منبوذ إلى شريك (كما فعلت العراق برغم أنها دفعت ثمنا غاليا). وبرغم كل ذلك، إلا أن نماذج تصويت العرب في الأمم المتحدة قد تراجعت، حيث وصلت نسبة تصويت الدول العربية مع الولايات المتحدة إلى أقل من 8 % مما كان عليه الحال منذ 2005.

وبعيدا عن هذه الاتجاهات الإقليمية العريضة، فإن الدول الفردية تستحق فحصا أكثر تدقيقاً. فهناك منطقة جغرافية معينة على قدر كبير من الأهمية كثيرا ما نتغاضى عنها رغم أهميتها وهي المغرب العربي. فمنذ عام 2003 إلى عام 2008، تحسنت العلاقات الأمريكية الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية بصورة ملحوظة مع كل دولة في هذه المنطقة الفرعية التي تضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا بل والسودان في بعض النواحي. ونفس الشيء ينطبق على العلاقات على المستوى الشعبي، بحسب المقاييس المتعلقة بمعدلات الطلاب العرب والمسافرين والسلوك الاستهلاكي.

وثمة مجموعة أخرى رئيسة من الدول وهي المصدرة للبترول، حيث تشير البيانات هنا أن الصادرات للولايات المتحدة من معظم المنتجين العرب، حتى عندما تقاس من حيث الحجم وليس القيمة الدولارية المتغيرة، ظلت ثابتة بل وتشهد زيادة خلال هذه الفترة بغض النظر عن التوترات السياسية المتنوعة. ومع ذلك فهناك حالة شاذة وهي اليمن، فصادرات نفطها للولايات المتحدة قد ضعفت إلى نقطة التلاشي في 2008، مع تدني إجمالي الصادرات التي تتدفق إلى أنحاء أخرى - حتى برغم تحسن العلاقات الثنائية السياسية والأمنية بوجه عام.

وباختصار وبغض النظر عن استطلاعات الآراء العربية أو ما يقوله الإعلام العربي، فإن العلاقات الأمريكية العربية سواء الشعبية منها أو الرسمية قد تحسنت بوجه عام وبصورة ثابتة في كثير من الجوانب خلال فترة الرئاسة الثانية لإدارة بو