Ideas. Action. Impact. The Washington Institute for Near East Policy The Washington Institute: Improving the Quality of U.S. Middle East Policy

Other Pages

Featured Publications

المرصد السياسي 2361

أندرو جيه. تابلر

26 كانون الثاني/يناير 2015

صحيح أن سياسة واشنطن الحديثة المنشأ، التي تقضي "بتجنب المواجهة غير المنسق" مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد في خلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية»، قد لا تشكل تحالفاً رسميّاً لكن من المحتمل أن تسبب مشاكل جدية. فالاتفاق الضمني مع النظام على تجنب استهداف طائرات الائتلاف، بالإضافة إلى التأخير المطول في برنامج التدريب والتجهيز الذي تنفذه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للمعارضة السورية ورسالة الرئيس في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2014 للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية حول التعاون ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، كلها عوامل تولد انطباعات شائعة بأن الولايات المتحدة تتوجه نحو حلف فعلي مع الأسد وطهران ضد الجهاديين. وإذا استمرت واشنطن بهذه السياسة على ما هي عليه، لن تتمكن سوى من احتواء تنظيم «داعش» وليس "القضاء عليه" أو "تدميره" وهو ما دعا إليه الرئيس أوباما. والأسوأ من ذلك، هو أن هذه السياسة قد تؤدي إلى مأزق دموي من التطرف في سوريا بين قوات "حزب الله" التي تحظى بالدعم الإيراني والجهاديين، مما يزيد من التهديدات على مصالح الأمن القومي الأمريكية. التوصل إلى تجنب المواجهة غير المنسق على أثر اندلاع شرارة الثورة السورية في العام 2011، تخلت الولايات المتحدة عن سياسة "التعاون البناء" التي كانت تتبعها مع النظام السوري ودعت الرئيس الأسد إلى "التنحي". ولكن مع تطور النزاع، ومع اتخاذ الرئيس أوباما قرار عدم تسليح الثوار بشكل حاسم وعدم تطبيقه لـ"خطوطه الحمر" على الهجمات الكيميائية التي شنها النظام، شغل الجهاديون من أمثال تنظيم «الدولة الإسلامية» و"جبهة النصرة" التابعة لتنظيم "القاعدة" المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة المعارضة بسرعة مكتسبين بذلك عمقاً استراتيجيّاً لشنّ الهجمات في العراق. إلا أن الحملة الشعواء التي شنها تنظيم «داعش» على الموصل، وانهيار قوات الأمن العراقية المدربة من قبل الولايات المتحدة، وإعدام الرهينتين الأمريكيتين، عوامل دفعت بالرئيس أوباما إلى الدعوة للقضاء على المجموعة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، أطلق الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة مقاربة ذات شقّين تعتمد أولاً على توجيه الضربات إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» وثانياً على تسليح قوى مختارة مضادة للتنظيم في العراق وسوريا. بهدف تنفيذ الشق الأول من هذه الاستراتيجية، وضعت واشنطن سياسة من خلال بغداد سماها مسؤول أمريكي لم يُذكر اسمه في مقال نُشر في صحيفة "واشنطن بوست" في الأول من كانون الأول/ ديسمبر "تجنب المواجهة غير المنسق". وفي أيلول/سبتمبر الماضي، مباشرةً قبل توسيع الضربات الجوية الأمريكية إلى سوريا، أرسلت الحكومة العراقية ذات القيادة الشيعية المتحالفة مع إيران مستشار الأمن الوطني فالح الفياض لمقابلة الأسد. وفي حين أنه لم يتم الكشف عن تفاصيل الاجتماع، إلا أن فحواه كان واضحة، إذ مذّاك حصلت أكثر من 900 طلعة جوية للائتلاف حلقت فوق سوريا من دون أن تتعرّض لها قوات النظام. ويقضي الشق الثاني من الاستراتيجية بتسليح فاعلين على مستوى ما دون الدولة، أبرزهم قوات البشمركة في العراق والمعارضة المعتدلة في سوريا. وتتم المساندة الأمريكية للبشمركة بإذن من الحكومة العراقية، بيد أن العلاقة أكثر تعقيداً في سوريا حيث يجب تدريب المعارضة وتجهيزها من دون موافقة الحكومة المضيفة "الشرعية". ومع أن الجيش الأمريكي لا يحبذ هذا الإجراء إلا أنه سبق أن اضطر للجوء إليه كما شاهدنا مع قوات البشمركة خلال عملية المراقبة الشمالية في التسعينيات. وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن الثوار السوريين أبدوا عن اتساق سياسي أقل من ذلك الذي أعرب عنه نظراؤهم الأكراد، مما يدفع للتساؤل حول الجهة التي يُفترض أن تكون مسؤولة عن القوى التي ستحظى بتدريب أمريكي. في الواقع، لقد نجحت هذه الاستراتيجية حتى الآن في العراق، بيد أن لشقيها أهداف متعارضة في سوريا. فأثناء ضرب أهداف «داعش» تفضل القوات الأمريكية أن تحلق فوق الأراضي السورية من دون أن تتعرض لنيران النظام. لكن من أجل هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» بالفعل، على الولايات المتحدة وحلفائها أن تدرب قوة معارضة وتجهزها للسيطرة على المناطق ذات الأغلبية السنية التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» حاليّاً لسوء حظ بشار الأسد. للأسف، أعاق التصور الشعبي للشق الأول من الاستراتيجية شقها الثاني بشكل كبير. فحين توسعت الضربات الأمريكية التي تستهدف تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل غير متوقع في أيلول/سبتمبر لتشمل "جبهة النصرة" في محافظة إدلب الغربية، وجّهت هذه الأخيرة هجماتها على مجموعات "الجيش السوري الحر" المدعومة من الغرب في منطقتها وشمل ذلك هجوماً كاسحاً على "جبهة ثوار سوريا" و"حركة حزم". وكانت المجموعات المهزومة مسلحة بصواريخ "تاو" الأمريكية وبالتالي تعتبر إلى حد كبير جزءاً من برنامج الدعم الأمريكي غير العلني. ومع أن بعض هذه القوات عاد وجمع قواه، إن حملة الضربات الجوية الأمريكية بالإضافة إلى تصريحات الرئيس أوباما في تشرين الثاني/نوفمبر بأن واشنطن لا تناقش بشكل فاعل سبل التخلص من الأسد، كادت تدمر دعم الثوار للولايات المتحدة الذي يتدهور منذ وقت طويل. وفي هذه الأثناء يزداد القتال بين الأسد والجهاديين احتداماً. وصفة للتقسيم واستمرار الفوضى تجدر الإشارة هنا أن قلب السياسة المتبعة لدعم نظام الأسد ضد «داعش» لن تحل مشاكل واشنطن. فناهيك عن نظرة الرأي العام السلبية جداً تجاه مساعدة رئيس استخدم السلاح الكيميائي وصواريخ سكود ضد شعبه، إن نظام الأسد يعاني من شلل مالي وعسكري وبالتالي ليس قادراً على استرجاع المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» الآن وإحكام قبضته عليها. واعتمد استرجاع النظام للأراضي في العام الماضي على عمليات "وقف إطلاق نار" مثيرة للجدل فُرضت بشكلٍ رئيسي على سكان يعيشون تحت الحصار وعلى عمليات عسكرية قامت بها مجموعات مسلحة غير نظامية من قوات الدفاع الوطني ذات أغلبية علوية إلى جانب الجيش النظامي. وهذا يعني أن المناطق التي سيحاول النظام السيطرة عليها في الأشهر المقبلة ستشهد تدفقاً لقوات تسيطر عليها الأقليات أكثر فأكثر وتكون خاضعة لتوجيه إيراني. باختصار، إن عودة بشار الأسد لوضعه السابق لن تكون عودة حاكم شرعي يعيد النظام لبلده بل ستأتي في الأساس نتيجة مجموعة إيران المؤلفة من لاعبين أجانب يؤدون دوراً على مستوى ما دون الدولة. وبالتالي إن الجزء القتالي من مسعى طهران لتغيير الهلال الخصب بشكل جذري هو أمر ستستمر القوى السنية في المنطقة بمعارضته وبشكل خاص تركيا ودول الخليج العربي. من جهة أخرى، إنّ انخراط إيران المباشر والمعمق في محاولة الأسد إخراج نفسه من المأزق السوري قد أدى إلى توريط طهران في مذبحة واسعة النطاق للسنة وقد أطلق حرباً طائفية طغت على العراق وتهدد بالتوسع خارج حدود البلد. وكانت حملة إيران في سوريا لتبدو منطقية أكثر لو لم يعلب التوزيع الطائفي للسكان دوراً سلبيّاً ضدها للغاية. فالنسيج السوري يتألف بنسبة 75% من العرب السنة، وهي نسبة تصح في كافة أنحاء الشرق الأوسط تقريباً باستثناء إيران. كما أن المناطق الريفية التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» في سوريا والعراق تتألف من السنة بنسبة عالية تصل إلى 95%. وتشير هذه النسب إلى أن إيران لن تتمكن من إخضاع السنة من خلال العنف، لا بل قد تجد نفسها في النهاية منخرطة في نزاع مهلِك وصفه العديد بالفعل بـ"فيتنام إيران". أربع خطوات لحل مستدام في سوريا مع أنه ليس من المحتمل أن يفرز هذا التوجه "انتصاراً للنظام" إلا أنه قد يدفع الأسد ورعاته الإيرانيين إلى التركيز على الأجزاء التابعة لها من سوريا الصغرى والالتزام بمعاهدة عدم اعتداء تأتي بحكم الأمر الواقع مع الجهاديين. قد يساعد ذلك على تجنب سيناريو "فيتنام إيران"، لكنه قد يؤدي إلى ما هو أسوأ السيناريوهات بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها وهو تشبث كل من الأسد و تنظيم «الدولة الإسلامية» بمكانتيهما ربما بشكل نهائي. ولتجنب هذا السيناريو والسعي إلى تحقيق المصالح الأمنية الأمريكية في سوريا بشكلٍ أفضل، على واشنطن اعتماد المقاربة التالية: 1.      التقبل أن سوريا ستبقى دولة مقسمة وفاشلة طالما يُسمح للأسد بالبقاء في السلطة كما كان وضع صدام حسين في التسعينيات حين كلفت سياسات النظام هذا الأخير سيطرته على الشمال الكردي. لكن على خلاف ذلك السيناريو، إن استمرار وجود الأسد سيشكل جاذباً قوياً للجهاديين ومحركاً رئيسيّاً للتوتر السني الشيعي. 2.      لا ينبغي تخفيف الضغط على الأسد. فعوضاً عن السماح للنظام بتعزيز قوته، على واشنطن إضعاف كل من الأسد و «داعش» من خلال تشجيع الصراع بينهما لإضعاف القوات الإيرانية الأجنبية والجهاديين في الوقت نفسه. غالباً ما يتباهى الأسد بمحاربة الإرهاب، لذا يجب على الولايات المتحدة ترك الأمر على عاتقه وإلقاء بمسؤولية تنظيم «الدولة الإسلامية» عليه مما سيضعفه ويضعف القوى الإيرانية بنهاية المطاف. وتشمل المسائل الرئيسية التي يجب على واشنطن أخذها بعين الاعتبار متى تصعِّد أو تخفِّف من الضربات الجوية ليس فقط ضد «داعش» بل أيضاً ضد قوات النظام لاسيما إذا نفّذ الأسد التهديد الذي أطلقه في 20 كانون الثاني/يناير حين قال لمجلة "فورين أفيرز" بأن النظام سيهاجم قوات المعارضة المعتدلة المدربة من قبل الولايات المتحدة التي تدخل سوريا. عندها فقط ستشعر دمشق وطهران بالضغط للقيام بتنازلات كبيرة. 3.      التركيز على مساعدة المعارضة المعتدلة على رص صفوفها ضد الجهاديين والنظام على حد سواء، بالإضافة إلى زيادة المساعدات الإنسانية بشكل بارز للنازحين وبذل مجهود أكبر بكثير لحماية المدنيين. بالطبع لا يمكن للولايات المتحدة أن تنظم وتقود المعارضة كلها، لكن يمكنها أن تدعم أي فصيلة تسيطر على مناطق أخذتها من يد تنظيم «الدولة الإسلامية». إن الطريقة الوحيدة لتحفيز الثوار على القيام بذلك هي بتقديم الدعم العلني لموقفهم المبرر ضد بقاء الأسد في السلطة. 4.      تطوير استراتيجية لإسقاط الأسد بالدبلوماسية وإرسال المعلومات والقوة العسكرية/الاقتصادية. فكلما طال بقاؤه طال الانقسام في سوريا. حين يتم التخلص من الأسد، سيصبح من الممكن لملمة شمل سوريا من جديد.   أندرو تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. وتشمل مؤلفاته باللغة الانكليزية "انهيار سوريا وكيف بإمكان واشنطن وقفه" (فورين أفيرز، تموز/يوليو - آب/أغسطس 2013) والكتاب الذي صدر عام 2011، "في عرين الأسد: رواية شاهد عيان لمعركة واشنطن مع سوريا".

Display Items per Page: 5 10 25 50 100 All Analysis

Showing: No Filters

Previous | Next
Page: 1