أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

Fikra Forum

Fikra Forum

خلق الحوار. التأثير على السياسة.

Generating Dialogue. Impacting Policy.

ترامب والشرق الأوسط.. بين الأمل والتوجس


متاح أيضاً في English

30 نوفمبر 2016

آثار فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بأغلبية أصوات الكلية الانتخابية في الرئاسيات الأمريكية التي جرت يوم 8 نوفمبر الماضي الذهول لدى العديد من الأوساط العالمية، إذ لم تكن النتيجة متوقعة بهذا الشكل نظرا إلى أن معظم التحاليل والتنبؤات أشارت إلى مسار مغاير تمام لما حدث في تلك الليلة. ولكن سرعان ما أدرك الجميع بأنهم باتوا أمام امر واقع ينبغي التعامل معه جيدا لتجنب أثاره الجانبية، وهذا ما ميز الحركية السياسية على الصعيد الدولي في الأسبوعين التاليين لعملية الانتخاب، كما ساعد التفكير في إمكانية وجود اختلاف كبير بين ترامب الرئيس وترامب المرشح في دفع عملية التواصل بين القادم الجديد للبيت الأبيض والعالم المتوجس من توجهاته.

منطقة الشرق الأوسط ليست بمعزل عن هذه التطورات، إذ لا طالما شكلت احدى المناطق الجوهرية في السياسات الدولية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص، ولا شك أن موضوع الرئاسة في الولايات المتحدة كان محل اهتمام واسع لدى الأوساط الفاعلة في المنطقة التي تبدو في موضع قلق من الحاضر والمستقبل معا.

فمن جهة الحاضر تبدو القوى العربية التقليدية في حالة إحباط مستمر من إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما منذ أن دعا الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للتنحي في 2011 ليكشف عن مبدئه الخاص بإحداث التوازن الداخلي في الشرق الأوسط عبر القوى المحلية دون التزام أميركي مباشر مع الحلفاء التقليديين مثلما كان عليه الحال لعقود طويلة وكان الاتفاق النووي مع إيران تتويجا لهذا المسار. وبدورها لا تشعر تركيا بالارتياح من مواقف إدارة أوباما إذ خيم التوتر على العلاقة بين البلدين الحليفين بسبب الاختلاف حول الموقف من الأزمة السورية ودور الأكراد في محاربة تنظيم " داعش". وجاءت محاولة الانقلاب الفاشلة الصيف الماضي لتزيد الطين بلة حين عبرت أنقرة عن اندهاشها من التعامل الأميركي الباهت مع الحدث بالمقارنة مع الموقف الروسي الذي سارع إلى دعم القيادة التركية وذلك رغم التنافس التاريخي الحاد القائم بين موسكو وأنقرة.

  ولم يقتصر الامتعاض من الإدارة الأميركية على الحلفاء بل شمل أيضا القوى الصاعدة الجديدة التي سبق وان رحبت بالموقف الأميركي المؤيد للتغيير الذي حدث في تونس ومصر وليبيا والتي بدئت تشعر بالإحباط بعد التردد الأمريكي في إنهاء معاناة الشعب السوري والفشل في حماية المسار الديموقراطي في مصر وليبيا واستمرار الطائفية في العراق بعد الانسحاب الأميركي.

بعيدا قليلا عن المناطق الساخنة في الشرق الأوسط. لا تبدو حكومات الدول المغاربية عموما والجزائر خصوصا قلقة من عملية انتخاب ترامب إذ تتطلع إلى استمرار الشراكة الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة ورعاية المصالح المشتركة الدائمة، لكنها ستنتظر اتضاح الصورة أكثر للحكم على مدى الثبات أو التغير الذي قد يحدث في تفاصيل العلاقة. ومن ثم، تترقب هذه الدول بروز رؤية ترامب من مسألة الإصلاح السياسي وطبيعة الدور الأميركي بشكل عام في منطقة تعتبر من القواعد التاريخية للنفوذ الفرنسي. الاستثناء المغاربي هو ليبيا إذ يبدو القلق واضحا من إمكانية أن يدير ترامب ظهره لجهود دعم حكومة الوفاق الوطني التي تواجه صعوبات كثيرة في أداء مهامها بسبب الصراع على السلطة بين مختلف الأطراف المدعومة إقليميا
تركيا والسعودية ستعملان على إستعادة الثقة المفقودة مع الولايات المتحدة على أكثر من صعيد فيما ستواجه إيران مأزقا داخليا عند إجراء الانتخابات الرئاسية العام المقبل لان شرعية الإصلاحيين ارتبطت بشكل كبير بنجاحهم في توقيع الاتفاق النووي الذي مكن إيران من التخلص من ثقل العقوبات الدولية، وفي حالة قام ترامب بتصعيد اللهجة ضد طهران والعمل على الحد من نفوذها سيجد المحافظون الإيرانيون مبررا للعودة إلى الوراء. وعودة التوتر بين إيران والولايات المتحدة إلى مستوياته السابقة هو امر مريح بالنسبة لتركيا والسعودية على أساس التنافس الإقليمي القائم بين الدول الثلاث، غير أن ذلك لا يعني أن سياسة ترامب ستكون سهلة تجاه السعوديين والأتراك فقد يعمل على تحييد عناصر الصراع الطائفي بمجمله والتنسيق مع قوى أخرى مثل مصر والأردن والأمارات التي تشارك ترامب رغبته في محاربة المتطرفين الإسلاميين.

ومن جهة المستقبل، يبدو الموقف مزيجا بين الأمل والتوجس، إذ تحذو الجميع رغبة جامحة في طي صفحة الإخفاقات التي حصلت في العهد الحالي، ولما كانت سياسة كلا المرشحين هيلاري كلنتون ودونالد ترامب تحمل إشارات للتغيير في مكان أو أخر فقد وجدت مبررات مختلفة للأمل لدى الأطراف المتباينة وترسم لديها اعتقاد بان المستقبل قد يحمل معه خرقا للجمود الحاصل في مستويات عديدة. والآن أمام فوز ترامب المفاجئ لن يكون الأمل الانطباع الوحيد في الميدان إذ سيزاحمه التوجس من طبيعة التغيير الذي سياتي به البيت الأبيض فهو لم يكشف حتى الأن عن جميع أوراقه ويبدو المستقبل معه غامضا إلى حد ما لكونه يرسل إشارات متناقضة حول النموذج المتبع في إدارة السياسة الخارجية. ويأتي هذا علما بان سيطرة الجمهوريين على مقاليد الحكم في أميركا هو بشكل عام امر مريح نسبيا للقوى التقليدية في الخليج العربي ومدعاة للقلق بالنسبة لإيران. ومع ذلك، لا أحد يعلم كيف ستكون التوليفة الجمهورية وترامب على رأسها بالنظر إلى مواقفه السلبية السابقة من حلفاء أميركا ورفضه للاتفاق النووي مع إيران في أن واحد، ورغبته في التعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يعمل على توسيع دائرة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط من خلال تدخله في سوريا وارتباطه بعلاقة جيدة مع أصدقاء لواشنطن مثل الأردن ومصر والأمارات وانفتاحه مؤخرا على الأتراك.

وفي هذه الحالة، قد تتشكل أرضية تفاهم أميركية روسية تنضم لها دول المنطقة سالفة الذكر لمواجهة التحديات الرئيسية مثل محاربة تنظيم "داعش" وتحقيق انتقال سياسي في سوريا مع الحد من النفوذ الإيراني. ولكن هناك من يعتقد أن مقاربة دونالد ترامب الدولية ستجمع شيئا من أوباما وشيئا من نيكسون. وبذلك قد يعلن ترامب صراحة رغبته في التسوية والاستقرار عند النقطة التي تتوقف عندها الأحداث والكف عن التدخل المباشر في أزمات الشرق الأوسط سواء بالقوة العسكرية أو عبر الضغط السياسي والدبلوماسي لمحاولة تغيير الواقع في المنطقة.

غير أن البعض يعتقد بان فريق ترامب من المحافظين لن يوافق على هذه السياسة وسيدفع نحو مزيد من التشدد تجاه مصادر الخطر القائمة والتي لن تختفي بين عشية وضحاها مما قد يهدد بقيام ردود أفعال سلبية وخطوات استباقية غير متوازنة ستؤدي إلى تعميق الشرخ في الشرق الأوسط على غرار ما حدث بعد غزو العراق سنة 2003 وذلك سبب جوهري للتوجس مما هو آت. 
وختاما، مهما كانت توجهات الإدارة الجديدة، من الغريب أن تنتظر النخب السياسية والإعلامية في المنطقة نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية لتعلق عليها فقط مع تجاهل لب الموضوع وهو ضرورة الدعوة إلى تعزيز الممارسة الديموقراطية في بلدانها وإجراء انتخابات شفافة يتشوق العالم لمعرفة نتائجها.

Customize your RSS Feed